أحمد قعبور: صوت الأغنية الملتزمة في العالم العربي

ملخص :
رحل عن عالمنا يوم 26 مارس/آذار 2026 في بيروت الفنان اللبناني أحمد محمود قعبور (الرشيدي)، عن عمر يناهز 71 عامًا، بعد مسيرة فنية ثرية امتدت أكثر من خمسة عقود، شكلت علامة فارقة في الأغنية الملتزمة وقضايا النضال الوطني والإنساني، لا سيما القضية الفلسطينية.
واشتهر قعبور منذ بداية مسيرته بأداء الأعمال التي تحمل بعدًا سياسيًا واجتماعيًا، لتصبح أغنياته جزءًا من الذاكرة الجماعية العربية، وتسمو فوق حدود الجغرافيا لتصل إلى القلوب في لبنان وفلسطين ومختلف أنحاء الوطن العربي.
البداية المبكرة والتكوين الفني
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955 في أسرة متواضعة نابضة بالفن؛ فوالده محمود الرشيدي كان من أوائل عازفي الكمان في لبنان، فيما أولت والدته فاطمة الغول اهتمامًا كبيرًا بتعليم أبنائها وتنشئتهم ثقافيًا وعلميًا، رغم أمّيتها.
بدأ شغفه بالفن منذ سن العاشرة، حين رافق والده إلى الحفلات الموسيقية حيث كان يعزف خلف فنانين كبار مثل فريد الأطرش وشادية، وتلقى دعمه الفني الأول من الموسيقي اللبناني سليم فليفل، الذي رسّخ فيه إدراكًا أن الموسيقى أداة للتعبير عن الهوية الجماعية والذاكرة الوطنية، وليس مجرد متعة جمالية.
أكمل قعبور تعليمه الابتدائي في الكلية البطريركية، والمتوسط في ثانوية البرّ والإحسان، قبل أن يلتحق عام 1978 بقسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، حيث حصل على دبلوم في المسرح، مما أضاف بعدًا مسرحيًا ومؤثرًا لمسيرته الفنية لاحقًا.
"أناديكم": الأغنية التي صنعت اسمه
دخل قعبور عالم الفن على وقع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حين كان عمره 19 عامًا فقط، بأغنية "أناديكم"، قصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زياد، غناها ولحنها بنفسه، وشكّلت الأغنية محطة فاصلة في تجربته، إذ جسدت المقاومة الفلسطينية وألهمت الجمهور العربي على نطاق واسع، وذكّر الفنان لاحقًا أنها كانت محاولة لرفع معنويات والده بعد هزيمة "النكسة" عام 1967.
منذ ذلك الحين ارتبط اسم أحمد قعبور بالأغنية الملتزمة والقضايا الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب رموز الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي مثل مارسيل خليفة وزياد الرحباني وخالد الهبر.
ألبوماته وأعماله الغنائية
أصدر قعبور ألبومه الأول بين عامي 1976 و1977 تحت عنوان "أناديكم"، وضمّ أعمالًا مثل "يا نبض الضفة"، "جنوبيون"، و"المنفى"، واستمرت أعماله لاحقًا في التعبير عن هموم الناس اليومية والبعد العاطفي للإنسان، ومن أبرز ألبوماته:
- نحنا الناس (1984)
- حب (1985)
- رمضانيات أحمد قعبور (2001)
- صوتن عالي (2002)
- بدي غني للناس (2009)
- أحمد قعبور يغني عمر الزعني (2011)
- لما تغيبي (2018)
وامتدت إسهاماته لتشمل المسرح، والسينما، والتلفزيون، حيث قدم مسرحية "شي فاشل" (1983) من تأليف زياد الرحباني، وفيلم "ناجي العلي" (1992) الذي تناول حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني، بالإضافة إلى مشاركته في مسلسلات تاريخية مثل: البحث عن صلاح الدين (2001)، وأبو الطيب المتنبي (2002).
الفن الموجه للأطفال
أولى قعبور اهتمامًا كبيرًا للفن المخصص للأطفال، إذ قدّم أكثر من 300 لحن لمسرح الدمى وبرامج التلفزيون، بهدف تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي لديهم، من أبرز هذه الأعمال:
- أغنية "علو البيارق" (1995) بالتعاون مع كورال دار الأيتام الإسلامية.
- "توتي توتي" ضمن ألبوم رمضانيات.
- كوكتيل أغاني الأطفال (2013).
الجذور الإنسانية والسياسية لمسيرته
نشأ قعبور في محيط مليء بالمعاناة الفلسطينية؛ إذ كان منزله ملاصقًا لمخيم صبرا للاجئين، ما شكّل وعيه الإنساني منذ الصغر، كما تأثر بقراءة قصة "أم سعد" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، التي ألهمته لاحقًا لتسمية ابنه "سعد".
وفي عام 2016، كرّمته لجنة "القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية" بمنحه جائزة القدس للثقافة والإبداع، تقديرًا لدوره في تعزيز الفن الذي يسلط الضوء على القدس والقضية الفلسطينية.
وفاته وإرث خالد
توفي أحمد قعبور في 26 مارس/آذار 2026 بعد صراع مع مرض السرطان، مخلفًا إرثًا فنيًا وثقافيًا متجذرًا في الذاكرة العربية، وستبقى أغانيه الملتزمة، وأدواره المسرحية والدرامية، وأعماله للأطفال، شهادة حية على التزامه بالقضايا الوطنية والإنسانية، وعلى أن الفن يمكن أن يكون أداة للتغيير والتأثير الاجتماعي.





