ترامب يشعل حربًا تجارية جديدة… فكيف يتأثر الشرق الأوسط؟

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعرفة جمركية جديدة في أبريل 2025 يشعل شرارة حرب تجارية عالمية تهز الاقتصاد العالمي، وتضع الشرق الأوسط في موقف حرج بين ارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلب أسعار النفط ومخاوف التضخم وتأثيرات على الشركات الناشئة.
ما هي التعرفة الجمركية الجديدة ومن تشمل؟
أعلن ترامب في مطلع أبريل 2025 عن تعرفة جمركية شاملة بنسبة 10٪ كحد أدنى على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، مع رسوم أعلى تطال عشرات الدول. هذه الخطوة وُصفت بـ"التعرفة المتبادلة" حيث تفرض أمريكا على شركائها ما يفرضونه هم على بضائعها. فعلى سبيل المثال، الصادرات الصينية إلى أمريكا ستخضع لرسوم تصل إلى 34٪ (بعد إضافة الـ10٪ العامة فوق الرسوم السابقة)، بينما حلفاء مقربون كالاتحاد الأوروبي ستطالهم تعرفة بحوالي 20٪ واليابان 24٪. هذه الأرقام تعكس محاولة ترامب “إعادة التوازن” - برأيه - للتجارة الدولية التي يعتبر أنها ظلمت المنتج الأمريكي لعقود.
التعرفة الجديدة تسري فعليًا على قائمة واسعة تضم نحو 90 دولة، بدءًا من الصين وكبرى الاقتصادات الآسيوية وصولًا إلى دول أوروبية وعربية. المبدأ المعلن هو "المعاملة بالمثل": أي إذا كانت دولة ما تفرض تعريفات أو حواجز على السلع الأمريكية، سترد واشنطن برسوم مكافأة على صادرات تلك الدولة إلى السوق الأمريكي. لم يُعفَ الكثير من الشركاء التقليديين؛ فباستثناء كندا والمكسيك (المرتبطتين مسبقًا باتفاقيات تجارة حرة يواجهان أصلًا رسومًا 25٪ على عدة سلع)، وجدت دول عدة نفسها أمام رسوم أمريكية غير مسبوقة منذ عقود. هذه أعلى نسبة تعريفات تفرضها الولايات المتحدة منذ أوائل القرن العشرين، ما يعني تغييرًا جذريًا في قواعد اللعبة التجارية.
ترامب برر خطوته بشكل شعبوي خلال خطاب في حديقة البيت الأبيض، مصرّحًا بأن “عصر نهب ثروات أمريكا انتهى” وأن هذه الضرائب ستعيد المصانع والوظائف إلى الأراضي الأمريكية. لكنه أيضًا ربط الأمر بالأمن القومي معتبرًا إياه ضرورة لحماية “أسلوب الحياة الأمريكي”. ورغم حماس مؤيديه الداخلي، أثار الإعلان ذهولًا واعتراضًا لدى العديد من الدول التي فوجئت بوضعها على قائمة الاستهداف. وبدأت حكومات من أوروبا إلى آسيا بإعداد خطط للرد بالمثل أو السعي للتفاوض لتخفيف وطأة هذه الرسوم قبل تصاعد الأمور إلى حرب تجارية شاملة.
أبعاد اقتصادية عالمية: اضطراب في التجارة وأسواق المال
لم تنتظر الأسواق lâuردود فعلها؛ عند إعلان التعرفة ارتفعت حالات القلق في البورصات العالمية وانخفضت المؤشرات الرئيسية. في ساعات قليلة بعد الخطاب، شهدت أسواق الأسهم موجة بيع كبيرة، حيث سجل مؤشر نيكي الياباني أدنى مستوى له في 8 أشهر وتراجعت العقود الآجلة في بورصات أمريكا وأوروبا بشكل حاد. منذ منتصف فبراير وحتى أوائل أبريل، يُقدر أن الأسواق الأمريكية خسرت نحو 5 تريليونات دولار من قيمتها بفعل الترقب والمخاوف من التصعيد التجاري.
الخبراء الاقتصاديون حول العالم يحذرون من أن هذه الرسوم قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود. فرفع تكلفة الاستيراد يعني ارتفاع أسعار السلع للمستهلكين وانخفاض القدرة الشرائية، ما يبطئ النمو. بالفعل، توقعات نمو التجارة العالمية بدأت بالانخفاض مع استمرار التوترات؛ منظمة التجارة العالمية تشير إلى تراجع نمو حجم التجارة إلى مستويات متدنية. العديد من الدول المصدّرة إلى أمريكا تخشى فقدان أسواق مهمة، وإن تقلصت صادراتها فيؤثر ذلك سلبًا على صناعات ووظائف لا حصر لها.
من جهة أخرى، التضخم العالمي مرشح للارتفاع نتيجة هذه السياسات. الرسوم الجمركية هي في النهاية ضريبة إضافية على المنتج، غالبًا ستنعكس على سعره النهائي. تقدّر دراسات في الولايات المتحدة أن الأسرة الأمريكية المتوسطة قد تدفع آلاف الدولارات سنويًا إضافية بسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة. هذا يعني ضغطًا تضخميًا قد يمتد لباقي العالم، خاصة الدول التي ترتبط عملاتها أو اقتصاداتها بالدولار الأمريكي أو تعتمد على استيراد نفس السلع.
على صعيد العلاقات الدولية، يبدو أننا أمام انهيار لمبدأ حرية التجارة الذي ساد منذ منتصف القرن الماضي. حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا وآسيا أعربوا عن قلق وامتعاض؛ الاتحاد الأوروبي توعد بخطة رد قوية، وبريطانيا أعلنت أنها تسعى لاتفاقيات خاصة لحماية مصالحها. في آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية في موقف حرج: إما محاولة استثناء نفسها عبر الدبلوماسية الهادئة أو الانضمام إلى الآخرين في اتخاذ تدابير مضادة. الصين بطبيعة الحال تقود المعسكر المقابل؛ فبعد أن فرضت واشنطن هذه الرسوم الشاملة، ردت بكين بإعلان رسوم انتقامية استهدفت بدورها واردات أمريكية حساسة كمنتجات الطاقة (النفط والغاز) وبعض الصناعات الثقيلة، مما يمهد لجولة جديدة من التصعيد بين أكبر اقتصادين في العالم.
باختصار، الأثر العالمي فوري: أسواق مالية متقلبة، مخاطر ركود، وضبابية تخيّم على خطط الاستثمار والتجارة. الشركات متعددة الجنسيات تجد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة حسابات سلاسل الإمداد والتسعير، والبنوك المركزية قد تضطر لإعادة تقييم سياساتها في مواجهة احتمالات تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار معًا – وهي معضلة اقتصادية تشبه “كابوسًا مزدوجًا” لصناع القرار.
كيف ستتأثر أسواق الشرق الأوسط؟
يجد الشرق الأوسط نفسه في عين العاصفة رغم أنه ليس طرفًا مباشرًا في الحرب التجارية بين واشنطن وبكين. دول المنطقة ترتبط بشبكة معقدة من العلاقات التجارية مع كبرى الاقتصادات، وبالتالي أي زلزال اقتصادي عالمي يصيبها بترددات قوية. فيما يلي نظرة على أبرز القطاعات والتأثيرات المحتملة:
النفط تحت الضغط
لطالما كان النفط شريان الحياة الاقتصادية لدول الخليج خصوصًا، وهنا يكمن أول المخاطر. مع تصاعد التوتر التجاري وخوف الأسواق من تباطؤ اقتصادي في الصين وأمريكا، تراجعت أسعار النفط عالميًا بأكثر من 2٪ فور إعلان الرسوم الجديدة. السبب بسيط: إذا تباطأ النمو في الصين – أكبر مستورد للنفط في العالم – سينخفض طلبها على الطاقة، مما يخلق فائضًا ويضغط الأسعار نزولًا. وهذا السيناريو كابوسي لدول مجلس التعاون الخليجي المعتمدة على عائدات النفط.
خبراء اقتصاد الطاقة يحذرون من أن استمرار الحرب التجارية قد يُبقي أسعار الخام منخفضة لفترة، مما يشكل تهديدًا عميقًا لميزانيات دول الخليج. فخطط التحول الاقتصادي (مثل رؤية السعودية 2030 وغيرها) تعتمد على تمويل وفير من دخل النفط للاستثمار في مشاريع diversificação. إذا انخفضت الأسعار بشكل كبير أو مطول، ستضطر الحكومات ربما لتقليص الإنفاق أو سحب من الاحتياطيات، مما يؤثر على معدلات النمو والتوظيف في هذه الدول.
على المدى القصير جدًا، قد تستفيد دول منتجة أخرى من رسوم الصين الانتقامية على النفط الأمريكي؛ فإذا فرضت بكين تعريفات على الخام الأمريكي، قد تبحث عن مزيد من البراميل من منتجين آخرين (مثل الخليج وروسيا) لتعويض النقص. لكن هذا المكسب التكتيكي تقابله مخاطر استراتيجية أكبر: تراجع إجمالي الطلب العالمي على النفط مع تباطؤ الاقتصاد. لذا تسير الدول المنتجة في حقل ألغام: هل تقلّص الإنتاج لدعم الأسعار؟ أم تزيد المبيعات لكسب حصة سوقية قبل الركود؟ كلا الخيارين صعب ومكلف في ضوء الضبابية الحالية.
التصنيع والاستيراد: ضغوط على التكلفة
في الشرق الأوسط، العديد من الصناعات المحلية تعتمد على استيراد مواد خام أو معدات من الخارج (سواء من الغرب أو الشرق). التعرفة الأمريكية الجديدة بحد ذاتها لا تُفرض داخل المنطقة، لكنها تؤثر عبر سلسلة توريد عالمية متشابكة. كيف ذلك؟ إذا كانت المصانع الصينية تواجه رسومًا أمريكية وتجاهد للحفاظ على أرباحها، قد تضطر لرفع أسعار صادراتها إلى أسواق أخرى أو تقليل إنتاجها. وبالتالي أسعار المنتجات الصينية التي تصل للشرق الأوسط (من آلات ومعدات إلى الإلكترونيات الاستهلاكية) قد ترتفع أو يقل توفرها. البلدان العربية المستوردة ستجد فاتورة الواردات أغلى وربما بعض السلع أقل جودة أو وفرة إن ركز الموردون على تلبية شروط السوق الأمريكية الصعبة.
من جهة أخرى، بعض السلع الأوروبية والآسيوية التي تواجه تعريفات في السوق الأمريكية قد تتجه بكميات أكبر إلى أسواق بديلة ومنها الشرق الأوسط. هذا قد يعني عروضًا مغرية للمستوردين المحليين في المدى القريب مع توفر فوائض من تلك السلع تبحث عن مشترين. على سبيل المثال، إذا قلّت صادرات السيارات اليابانية إلى أمريكا بسبب الرسوم، ربما تسعى الشركات اليابانية لتعزيز تسويقها في الخليج ورفع حصتها هناك عبر صفقات وأسعار تفضيلية. المستهلك الشرق أوسطي قد يجد فرصة لشراء سيارة أرخص نسبيًا مما لو لم تقع الحرب التجارية. لكن هذه الفوائد المحتملة يظل يكتنفها الشك لأن الشركات العالمية أيضًا تقلص الإنتاج في أوقات عدم اليقين بدل إغراق الأسواق.
الصناعة المحلية في الدول العربية ستواجه تحديات كذلك. فالمصانع في مصر أو الإمارات أو السعودية التي تعتمد على مكونات أو آلات مستوردة ستشهد زيادة في تكلفة مدخلاتها إذا ارتفعت أسعارها عالميًا. وقد تضطر لرفع أسعار منتجاتها النهائية، ما يضعف قدرتها التنافسية محليًا وخارجيًا. وإن حاولت امتصاص التكلفة لتبقى أسعارها منخفضة، فذلك يعني هوامش ربح أقل وربما تباطؤ في التوسع والتوظيف. إنها حلقة تضخم مستورد يصعب كسرها دون إيجاد مصادر بديلة أرخص للمدخلات.
أسعار السلع والمستهلك: بين مطرقة الجمارك وسندان التضخم
المستهلك العادي في الشرق الأوسط قد يتساءل: “كيف تؤثر حرب تجارية بين قوى كبرى على محفظتي أنا؟” الجواب يتلخص في كلمتين: التضخم المستورد. كثير من البلدان العربية تعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الاستهلاكية، من الأغذية وصولًا إلى الإلكترونيات. في حال أدت هذه الحرب إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن عالميًا، فمن شبه المؤكد أن أسعار السلع المستوردة سترتفع في المتاجر المحلية. قد يلمس الشباب ذلك في سعر هاتف ذكي جديد، أو جهاز كمبيوتر، أو حتى ملابس وأحذية مستوردة من علامات عالمية.
وحتى السلع غير المستوردة مباشرة من أمريكا أو الصين يمكن أن تتأثر. كيف؟ لنفترض أن بلدًا مثل تركيا أو الهند يصنع منتجًا ويصدره للمنطقة. إذا ارتفعت كلفة المواد الأولية عليه بسبب الرسوم (كالفولاذ أو البلاستيك أو أشباه الموصلات) فسيرفع سعر تصديره. وبما أن المنتجات التركية والهندية مثلا منتشرة في الأسواق العربية، سنشعر بهذا التأثير بشكل غير مباشر. إنها سلسلة مترابطة: رسوم في واشنطن كلفة أعلى في بكين سعر أعلى في إسطنبول فاتورة أغلى في عمان والقاهرة.
هذا الوضع يقلق المستهلكين خصوصًا في دول تعاني أصلًا من معدلات تضخم مرتفعة أو دخول محدودة. قد نشهد تآكلًا في القدرة الشرائية للأسر، مما يضيف ضغوطًا اجتماعية على الحكومات التي سيكون عليها شرح لماذا ترتفع الأسعار رغم أنها ليست طرفًا في هذا النزاع. بعض الدول قد تفكر في دعم مالي أو إعفاءات ضريبية داخلية لتهدئة الأسعار، لكن قدرتها تختلف حسب إمكاناتها المالية. في النهاية، يعيش المواطن العادي حالة ترقب وقلق من غلاء معيشة إضافي محتمل يلوح في الأفق.
الشركات الناشئة والشباب: تحديات في الأفق
ريادة الأعمال والشركات الناشئة كانت بصيص الأمل الاقتصادي لشباب المنطقة في السنوات الأخيرة. إلا أن مناخ الحرب التجارية يضع غيومًا قاتمة أمام هذه الفئة. الشركات الناشئة التقنية مثلًا تعتمد على استيراد معدات إلكترونية وأجهزة حاسوب وخوادم – كثير منها يأتي من الولايات المتحدة أو الصين. القيود الجديدة والتوترات قد تجعل الحصول على هذه المعدات أصعب وأغلى. على سبيل المثال، القيود الأمريكية على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين (كأشباه الموصلات والشرائح الذكية) قد تعني شحًا في الأسواق العالمية من بعض الرقائق المتطورة. وإن أرادت شركة ذكاء اصطناعي ناشئة في دبي أو عمّان بناء مركز بيانات، فقد تواجه تأخيرات أو تكاليف غير متوقعة لتأمين العتاد المطلوب.
جانب آخر هو التمويل والاستثمار. في أوقات الاضطراب العالمي، يميل المستثمرون إلى تجنب المخاطرة. وهذا قد يعني تراجع الشهية لضخ أموال في شركات ناشئة بالأسواق الناشئة ومنها الشرق الأوسط. إن انخفضت شهية رأس المال المغامر الأمريكي أو الأوروبي بسبب انشغالهم بتداعيات حرب الرسوم، قد تجد الشركات الناشئة العربية صعوبة أكبر في إغلاق جولات تمويلية كبيرة. وحتى الصناديق الخليجية، رغم سيولتها، قد تصبح أكثر حذرًا إذا انخفضت أسعار النفط وبدأت الحكومات التقشف – مما يقلل الأموال المخصصة للاستثمار في المشاريع الجديدة.
لا ننسى أيضًا أن بعض الشركات الناشئة في المنطقة تعتمد على التصدير أو على سوق عالمية لمنتجاتها الرقمية. إن تباطؤ الاقتصاد العالمي، ستتأثر أعمالها ونموها. شركة تجارة إلكترونية ناشئة مثلًا قد تجد أن الموردين الصينيين مشغولون بإعادة هيكلة أعمالهم، أو أن الشحن الدولي بات أبطأ وأغلى مما يعيق توسيع نطاق تجارتها عبر الحدود. باختصار، هذه البيئة تشكل اختبار تحمل لقدرة رواد الأعمال الشباب على الصمود والإبداع. قد يضطر كثيرون لتعديل نماذج أعمالهم والتركيز على أسواق محلية أو إقليمية بدلًا من العالمية، أو ابتكار حلول لتخزين المكونات وتوريدها بشكل أكثر مرونة. يحتاجون إلى الكثير من المرونة والإصرار لعبور هذه المرحلة الصعبة.
ردود الفعل في الدول العربية: حذر ودعوات للتكييف
على الصعيد السياسي، تتفاوت ردود الفعل العربية وفق مصالح كل دولة وعلاقاتها مع واشنطن. دول الخليج الحليفة لأمريكا كالسعودية والإمارات وجدت نفسها في موقف دقيق: من جهة تعتمد على الولايات المتحدة أمنيًا واستراتيجيًا، ومن جهة أخرى قد تتضرر اقتصاديًا من إجراءاتها التجارية. هذه الدول تبنت نهج الحوار الهادئ مع الإدارة الأمريكية على أمل الحصول على استثناءات أو تسهيلات لبعض صادراتها. على سبيل المثال، قد تسعى الإمارات للتفاوض حول رسوم الألومنيوم والصلب بما يضمن استمرار وصول منتجاتها للأسواق الأمريكية دون عائق كبير، خاصة أن الأثر المباشر حتى الآن يبدو محدودًا عليها لكن القلق من تمديد التعرفة لتشمل المزيد قائم. دول الخليج عمومًا لديها تعريفات منخفضة على الواردات الأمريكية، لذا فرضت واشنطن عليها الحد الأدنى (10٪)، ومع ذلك أي نسبة إضافية قد تؤثر في تنافسية منتجات الألمنيوم والبتروكيماويات.
مصر ودول شمال أفريقيا تراقب المشهد بحذر أيضًا. فهذه الدول تربطها اتفاقيات تجارية مع أوروبا وأمريكا، كما أنها تعتمد على تدفقات الاستثمار والتجارة العالمية. الحكومة المصرية على سبيل المثال قد تقلق من انخفاض محتمل في حركة المرور عبر قناة السويس إذا تراجعت التجارة بين آسيا وأوروبا (وهي من أهم مصادر العملة الصعبة لمصر). ربما نشهد تحركات دبلوماسية بهدوء عبر منظمة التجارة العالمية للاعتراض على الخطوة الأمريكية لما قد تسببه من أضرار على الاقتصادات النامية. لكن فعالية هذه التحركات تبقى محدودة في ظل تعطل آلية التحكيم في المنظمة وتجاهل واشنطن المتزايد لها.
في بلاد الشام والأردن، التركيز ينصب على التداعيات الاقتصادية الداخلية. وزراء المالية والتجارة يخرجون بتصريحات تطمينية بأن مخزون السلع الأساسي متوفر، وأن الحكومات تتابع لضمان عدم ارتفاع الأسعار بشكل جائر. قد نرى لجانًا حكومية تجتمع مع المستوردين الكبار لبحث بدائل توريد من دول أقل تأثرًا (مثلاً زيادة الاستيراد من دول آسيوية غير الصين لتفادي أي تكلفة زائدة). كذلك، المصارف المركزية العربية قد تلجأ إلى أدوات لحماية عملاتها ومنع انفلات التضخم، خاصة في الدول التي عملتها غير مرتبطة مباشرة بالدولار.
على صعيد الرأي العام العربي، هناك انقسام في المشاعر. البعض يرى في خطوة ترامب إضرارًا إضافيًا باقتصاديات المنطقة التي بالكاد تعافت جزئيًا من صدمات الجائحة واضطرابات السنوات الماضية. آخرون يلمحون إلى فرص سانحة، كأن تدفع هذه الأزمة الدول العربية إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي والاعتماد على الذات، من خلال زيادة التجارة البينية وإقامة مشاريع صناعية مشتركة تقلل الاعتماد على الواردات البعيدة.
بعض الحكومات بدأت بالفعل تحركات استباقية: الإمارات والسعودية على سبيل المثال كثّفت في الأعوام الأخيرة بناء شراكات تجارية واستثمارية مع آسيا وأفريقيا، وقد تؤتي هذه الاستراتيجية ثمارها الآن عبر تأمين عقود توريد بديلة وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية التي تشهد اضطرابًا. المغرب وتونس قد تجدان فرصة في جذب بعض الصناعات الأوروبية التي تواجه رسومًا أمريكية لنقل مصانعها أو جزء من إنتاجها إلى شمال أفريقيا، مستفيدين من موقعها وقربها من أوروبا كموقع تصديري بديل أقل تكلفة. هذه التحركات وغيرها تعكس مرونة الدول العربية وسعيها لتحويل التحديات إلى فرص قدر الإمكان، وإن كان ذلك يتطلب قرارات جريئة واستثمارات مدروسة في الوقت المناسب.
إعادة تشكيل سلاسل التوريد: آسيا وأفريقيا في الواجهة
إحدى النتائج المتوقعة لهذه الحرب التجارية هي إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية. الشركات التي اعتادت تصنيع منتجاتها في الصين وتصديرها بسهولة إلى أمريكا تجد الآن ذلك أكثر تكلفة وتعقيدًا. البديل؟ نقل التصنيع إلى بلدان أخرى لتفادي الرسوم الأميركية والصينية المتبادلة. وهنا قد تبرز دول آسيوية مثل فيتنام، الهند، إندونيسيا وماليزيا كمراكز تصنيع بديلة تجذب الاستثمارات الصناعية. بالفعل، شهدنا في السنوات الماضية توجها متصاعدًا لنقل بعض خطوط الإنتاج من الصين إلى فيتنام والهند تحسبًا لمثل هذه الظروف – والآن يتوقع أن يتسارع هذا التوجه.
ماذا يعني هذا للشرق الأوسط؟ يعني فرصة وفرصة مخاطرة في آن واحد. الفرصة تكمن في إمكانية استفادة بعض دول المنطقة من هذه التحولات عبر جذب جزء من سلاسل التوريد المنقولة. مثلًا، مصر والمغرب بموقعها الجغرافي القريب من أوروبا قد تستقطبان مصانع تبحث عن موقع قريب من السوق الأوروبية والأفريقية وبعيد عن نيران التعرفة الأميركية. السعودية والإمارات أيضًا لديهما طموح للتحول إلى مراكز لوجستية وصناعية إقليمية (رؤية 2030 ومبادرات دبي الصناعية) ويمكنهم تقديم حوافز للشركات العالمية لإنشاء قواعد إنتاج وتوزيع تخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، بعيدًا عن قيود الحرب التجارية بين الكبار.
أما المخاطرة فهي أن يغرق الشرق الأوسط أكثر في الاعتماد على اقتصادات آسيوية صاعدة. فإذا أصبحت الهند وفيتنام المورد الرئيسي للسلع بدلاً من الصين، سنجد أنفسنا لا زلنا في موقع المستورد المعتمد على الغير، فقط الجهة تغيّرت. صحيح أن تنويع الشركاء أفضل من وضع البيض كله في سلة واحدة، لكن الحاجة الماسّة تبقى لتطوير صناعة محلية تنافسية تقلل التعرض للصدمات الخارجية. دول مثل تركيا (رغم أنها ليست عربية) لديها قاعدة صناعية قوية نسبياً وقد تستفيد بجذب استثمارات كونها خارج المواجهة المباشرة، وهذا قد يحفّز الدول العربية المجاورة على مواكبة التنافس لجذب تلك الفرص بدل ضياعها.
كذلك قد نشهد تعزيز العلاقات التجارية جنوب-جنوب: أي بين الشرق الأوسط ودول أفريقية وآسيوية نامية أخرى. إن بحثت الشركات العالمية عن أسواق جديدة بدلًا من الغرب المشبع بالمشاكل، فقد تركز على بيع منتجاتها في الهند، أفريقيا، أميركا اللاتينية والشرق الأوسط حيث الطلب الواعد. هذا يعني احتمالية عقد اتفاقيات تجارة حرة جديدة: مثل تسريع اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والصين التي طال انتظارها، أو شراكات بين مصر ودول في شرق آسيا، أو حتى مشاريع استثمار مشترك مع دول أفريقيا لتطوير سلاسل إمداد إقليمية.
في المحصلة، الشرق الأوسط أمامه خياران: إما التأقلم الإيجابي مع إعادة هيكلة التجارة العالمية بالاندماج فيها بذكاء (جذب استثمارات، تطوير صناعات محلية، تنويع الشركاء التجاريين)، أو الركون وانتظار العاصفة أن تمر مع تحمل الخسائر. التجارب السابقة تشير إلى أن من يستبق التحولات يكون الأقل تضررًا وربما الرابح الخفي عندما ينجلي الموقف. فهل تتحول دولنا من ضحية مستكينة إلى لاعب يستغل الفرص في خضم الأزمة؟
المصادر:
- Reuters News – “Trump announces sweeping tariffs on imports, escalating global trade war” (April 2, 2025).
- The New Arab – “How a US-China trade war puts the Middle East in a bind” (Jonathan Fenton-Harvey, 10 February 2025).
- Reuters News – “White House says Trump will go ahead with tariffs as nervous world awaits trade war” (April 1, 2025).
- Arab News – “Allies slam Trump’s ‘reciprocal’ tariffs but try to avoid trade war” (April 3, 2025).
- The National News (UAE) – “Will Trump’s aluminium and steel tariffs hit Gulf exports?” (Aarti Nagraj, 10 Feb 2025).