حزب الله يتجاهل نصائح عون ويعلن استقلالية موقفه

ملخص :
في لبنان، لا تمرّ الخلافات السياسية بصخب دائم، بل كثيرًا ما تتخذ طابعًا هادئًا ومبطّنًا، يحمل في طياته رسائل أعمق من التصريحات العلنية، هذا هو حال التوتر الذي برز مؤخرًا بين حزب الله ورئاسة الجمهورية، والذي لم يصل إلى حد القطيعة، لكنه كشف عن تصدّع واضح في أسس التفاهم السياسي بين الطرفين.
فبينما ترى الرئاسة أن المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان تستدعي قدرًا أعلى من التنسيق والانضباط السياسي، يصرّ حزب الله على الحفاظ على استقلالية قراره، معتبرًا أن موقعه ودوره لا يسمحان بقبول أي إملاءات، حتى من أقرب الحلفاء.
خلفية التوتر: من التفاهم إلى التباين
تعود جذور العلاقة بين حزب الله ورئاسة الجمهورية إلى سنوات من التعاون السياسي، تُوّجت بتفاهمات أساسية شكّلت مظلة للاستقرار النسبي داخل النظام السياسي اللبناني، غير أن هذه العلاقة لم تكن يومًا خالية من التباينات، إذ بقيت محكومة بتوازن دقيق بين الشراكة السياسية واستقلالية القرار.
وجاءت نصائح الرئيس ميشال عون الأخيرة لتكشف هشاشة هذا التوازن، حيث رأت الرئاسة فيها محاولة لتوجيه الحليف نحو سياسات أكثر انسجامًا مع ضرورات المرحلة، فيما اعتبرها الحزب خروجًا عن منطق التحالف، وتدخّلًا في شؤونه الداخلية، هذا التباين لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكمات سياسية فرضتها التحولات الداخلية والإقليمية.
رد فعل حزب الله: استقلالية بلا مساومة
أظهر حزب الله انزعاجًا واضحًا من الملاحظات الصادرة عن الرئاسة، مؤكّدًا أن قراراته السياسية تُتخذ بناءً على قراءته الخاصة للمشهد اللبناني والإقليمي، ويحرص الحزب، في هذا السياق، على إيصال رسالة مفادها أن التحالف لا يعني التنازل عن حرية القرار، ولا القبول بأي وصاية سياسية، حتى وإن جاءت تحت عنوان النصيحة.
هذا الموقف يعكس رغبة الحزب في تثبيت معادلة جديدة داخل تحالفاته، تقوم على التعاون عند تقاطع المصالح، مع الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة السياسية المستقلة، خصوصًا في الملفات التي يعتبرها مصيرية.
موقف الرئاسة: احتواء بدل المواجهة
في المقابل، تبدو رئاسة الجمهورية حريصة على عدم تحويل الخلاف إلى صدام مفتوح مع حزب الله، إدراكًا منها لحساسية التوازنات الداخلية، وتُظهر الرئاسة ارتياحًا واضحًا لموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتمتع بعلاقة تاريخية متينة مع الحزب، وقدرة على التواصل معه بلغة سياسية أقل تصادمية.
ويعكس هذا الرهان على بري توجّهًا رئاسيًا يقوم على احتواء التوتر من الخلف، وتفادي أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى اهتزاز التحالفات القائمة، أو فتح جبهات سياسية إضافية في وقت يعاني فيه لبنان من أزمات اقتصادية ومؤسساتية خانقة.
المشهد العام: تحالفات تحت الاختبار
لا يمكن فصل هذا التوتر عن السياق السياسي اللبناني العام، حيث تشهد التحالفات التقليدية حالة من السيولة وعدم الثبات، فالعلاقة بين حزب الله والرئاسة تمثّل أحد أعمدة التوازن السياسي، وأي خلل فيها ينعكس على باقي القوى، ويفتح المجال أمام إعادة تموضع داخلي لبعض الأطراف.
كما أن تأكيد حزب الله على استقلالية موقفه قد يدفع قوى أخرى إلى مراجعة حساباتها السياسية، في ظل إدراك متزايد بأن التحالفات لم تعد ضمانة مطلقة، بل ترتبط بمدى توافق المصالح والظروف المرحلية.
تداعيات محتملة على موازين القوى
في حال استمرار هذا التباين دون احتواء فعلي، قد نشهد تحولات تدريجية في موازين القوى داخل النظام السياسي اللبناني، فإضعاف التفاهم بين الرئاسة وحزب الله قد يفتح الباب أمام أدوار أكبر لقوى وسيطة، أو يعزز من موقع أطراف قادرة على لعب دور التوازن بين المعسكرات المتقابلة، ومع اقتراب استحقاقات سياسية ودستورية حساسة، يصبح هذا التوتر عامل ضغط إضافي على المشهد اللبناني، الذي يعاني أصلًا من شلل مؤسساتي وانقسام سياسي حاد.
في المحصلة، لا يشير تجاهل حزب الله لنصائح الرئيس ميشال عون إلى قطيعة سياسية وشيكة، بقدر ما يعكس مرحلة إعادة تعريف للعلاقة بين الحلفاء، تقوم على ترسيم أوضح لحدود الشراكة والاستقلالية، وبين رهان الرئاسة على دور نبيه بري في احتواء الخلاف، وإصرار الحزب على حرية قراره، يبقى المشهد اللبناني مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء هادئ للتوتر، أو انتقاله إلى مستويات أعمق من التباين السياسي.





