110 سنوات على تقديم أينشتاين لنظريته النسبية

ملخص :
في مثل هذا اليوم، 25 نوفمبر/ تشرين ثاني عام 1915، قدّم ألبرت أينشتاين نظريته الشهيرة "النسبية العامة" لأول مرة أمام الأكاديمية البروسية للعلوم، وتُعرف هذه النظرية أيضاً باسم النظرية الهندسية للجاذبية، حيث نشرها أينشتاين عام 1915 لتقدّم الوصف الحديث للجاذبية في الفيزياء، وبعد 110 سنوات على إعلانها؛ ماذا نعرف عن النظرية النسبية؟ وكيف توصل لها أينشتاين.
10 سنوات من الجهد الفكري
على الرغم من النجاح الهائل الذي حققته النظرية النسبية الخاصة عام 1905، أدرك ألبرت أينشتاين أنها كانت محدودة، فقد اقتصرت على الأطر المرجعية القصورية، أي تلك التي تتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم، ولم تشمل التسارع أو الجاذبية، في حين اعتبر نيوتن الجاذبية قوة غامضة تنتقل فورياً عبر الفضاء، كان هذا المفهوم غير مقنع لأينشتاين، خاصة بعد أن أظهرت النسبية الخاصة أن لا شيء يمكن أن يتجاوز سرعة الضوء، بما في ذلك أي تأثير للجاذبية.
خلال العقد التالي، من 1905 إلى 1915، خاض أينشتاين صراعاً فكرياً هائلاً لتوسيع مبدأ النسبية ليشمل التسارع والجاذبية، ووصف تلك الفترة بأنها أصعب مرحلة في حياته العلمية.
لحظة التحول: مبدأ التكافؤ
في عام 1907، جاء التحول الحاسم عندما ابتكر أينشتاين ما وصفه بـ "أسعد فكرة في حياته"، فقد تخيل شخصاً يسقط من سطح مبنى، واكتشف أنه أثناء سقوطه لن يشعر بوزنه، ليكون في حالة انعدام الوزن، من هذه التجربة الفكرية، صاغ مبدأ التكافؤ (Equivalence Principle)، الذي ينص على أنه لا يمكن تمييز تأثيرات الجاذبية عن تأثيرات التسارع.
بمعنى آخر، المراقب في مصعد مغلق يتسارع للأعلى في الفضاء الخالي سيشعر بنفس القوة التي يشعر بها مراقب آخر ثابت على سطح الأرض، وشكل هذا المبدأ الجسر الذي أتاح لأينشتاين الانتقال من النسبية الخاصة إلى نظرية أوسع للجاذبية.
اللغة الرياضية للجاذبية الجديدة
لم يكن الطريق سهلاً، فقد تطلب الأمر تطوير لغة رياضية جديدة لوصف هذه الأفكار المعقدة، ووجد أينشتاين ضالته في الهندسة التفاضلية وحساب الموترات (Tensor Calculus)، التي أسسها علماء الرياضيات مثل برنارد ريمان، وغريغوريو ريتشي-كورباسترو، وبمساعدة صديقه الرياضي مارسيل غروسمان، استطاع صياغة أفكاره الفيزيائية في إطار رياضي صارم، مما مهد الطريق لإنشاء تحفته العلمية الكبرى.
النظرية النسبية العامة: الجاذبية كنسيج للزمكان
في عام 1915، وبعد سنوات من الجهد المضني، قدم أينشتاين نظرية النسبية العامة إلى الأكاديمية البروسية للعلوم، وكانت هذه النظرية ثورة حقيقية في فهم الجاذبية، فبدلاً من اعتبار الجاذبية قوة تجذب الأجسام، اقترح أينشتاين أنها خاصية هندسية للفضاء والزمن نفسه.
ووفق النظرية، يؤدي وجود المادة والطاقة إلى انحناء نسيج الزمكان المحيط بها، فتتحرك الأجسام، مثل الكواكب، ليس بفعل قوة غامضة، بل لأنها تتبع المسار الأكثر استقامة (الجيوديسي) عبر الزمكان المنحني، يمكن تشبيه ذلك بوضع كرة ثقيلة على قطعة قماش مشدودة؛ ستنحني القماش حول الكرة، وأي كرة صغيرة تتدحرج بالقرب منها ستتبع هذا الانحناء.
معادلات أينشتاين للمجال
يتمثل جوهر هذه العلاقة بين المادة وانحناء الزمكان في معادلات أينشتاين للمجال التي تربط هندسة الزمكان بتوزيع المادة والطاقة فيه، وقد غيرت هذه الرؤية الجذرية مفهوم الجاذبية من قوة تعمل ضمن فضاء ثابت إلى جزء أساسي من بنية الكون نفسه.
لم تكن النظرية مجرد بناء فلسفي جميل، بل نظرية علمية دقيقة قادرة على تقديم تنبؤات قابلة للاختبار، مما عزز مكانة أينشتاين كواحد من أعظم علماء الفيزياء.
الإثبات التجريبي وإرث النسبية
- انحراف مدار عطارد: قبل ظهور نظرية أينشتاين، كان العلماء في حيرة من أمر شذوذ مدار كوكب عطارد، فكان مداره الإهليلجي يغير اتجاهه ببطء أسرع مما تنبأت به قوانين نيوتن، واستطاعت معادلات النسبية العامة حساب هذا الانحراف بدقة مذهلة، وأظهرت أنه ناتج عن انحناء الزمكان الشديد قرب الشمس، وكان هذا أول انتصار تجريبي كبير للنظرية.
- انحناء ضوء النجوم: تنبأت النظرية أيضاً بأن الجاذبية يمكن أن تحني مسار الضوء، إذ سيمر ضوء نجم بعيد بالقرب من الشمس، ليتبع انحناء الزمكان حولها، مما يجعل النجم يبدو في موقع مختلف في السماء، وتم اختبار هذا التنبؤ خلال كسوف الشمس الكلي عام 1919 بواسطة بعثة قادها عالم الفلك البريطاني آرثر إدينجتون، وتطابقت النتائج مع توقعات أينشتاين، ما جعل اسمه مشهوراً عالمياً بين ليلة وضحاها.
- الانزياح الأحمر الجذبوي: أظهرت النظرية أيضاً أن الزمن يمر ببطء أكبر في مجال جاذبية أقوى، ينتج عن ذلك أن الضوء الصادر من مصدر في مجال جاذبي قوي يفقد بعض طاقته أثناء صعوده، مما يؤدي إلى انزياح طيفه نحو الأحمر (Gravitational Redshift)، وقد تم تأكيد هذا التأثير في تجارب متعددة.
الأثر الحديث للنسبية العامة
أصبحت نظريات أينشتاين جزءاً لا يتجزأ من التقنيات اليومية والفيزياء الفلكية الحديثة:
- يعتمد نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على تصحيحات من النسبية الخاصة والعامة لضمان الدقة العالية.
- اكتشاف الأمواج الثقالية (Gravitational Waves) عام 2015 بواسطة مرصد LIGO، تمثل تتويجاً لأكثر التنبؤات إثارة في نظرية أينشتاين، بعد قرن من الزمن، مؤكدةً صحة النظرية بشكل مذهل.
من هو أينشتاين؟
- الميلاد والنشأة: وُلد ألبرت أينشتاين في أولم، ألمانيا عام 1879، في عائلة يهودية علمانية.
- طفولة وفضول مبكر: أظهر اهتماماً عميقاً بالظواهر الطبيعية منذ الصغر، مثل تساؤلاته عن البوصلة وهو في الخامسة.
- الأسلوب التعليمي: لم يكن طالباً تقليدياً، وكان يميل للتفكير المستقل والتساؤل بدلاً من الحفظ والتلقين، ما أدى إلى بعض الصدامات مع المعلمين.
- التعليم الثانوي والجامعي: انتقلت العائلة إلى إيطاليا ثم سويسرا؛ أكمل تعليمه الثانوي والتحق بـ ETH Zurich، حيث درس أعمال فيزيائيين كبار مثل ماكسويل وبولتزمان.
- البداية المهنية: بعد التخرج، واجه صعوبة في الحصول على منصب أكاديمي، فعمل كفاحص براءات اختراع في برن.
- الفترة الفكرية الحاسمة: مكنته وظيفة برن من الاستقرار المادي ووقت للتجارب الفكرية، وكانت فترة أساسية لنضوج أفكاره الثورية في الفيزياء.
لقد أظهر أينشتاين من خلال النسبية العامة أن الجاذبية ليست مجرد قوة، بل هي نسيج كون متصل ومعقد، وأن الأفكار الرياضية الدقيقة يمكنها تحويل رؤى فلسفية إلى حقائق علمية قابلة للقياس، وأثبتت التجارب العلمية صحة توقعاته، ومكنت البشرية من فهم الكون بطريقة أعمق وأكثر دقة، وترك إرثاً علمياً خالداً يشكل حجر الزاوية في الفيزياء الحديثة.





