الفضاء الرقمي يصبح ساحة للاعتداء

ملخص :
لم يعد العنف ضد المرأة يحتاج يدًا تمتد، بات يكفي ضغط زر واحد ليهدم حياة كاملة؛ عنف لا يترك كدمات، بل يترك ندوبًا لا تُرى.
لم تعد المرأة تلاحق الخطر في الأزقة المظلمة، أصبح الخطر يدخل غرفتها من أكثر الأشياء التي يفترض أن تكون آمنة: هاتفها، في لحظة واحدة قد تصبح رسالة مجهولة أو صورة مفبركة أو تعليق جارح، كفيلة بإسقاط امرأة كانت تقف بثبات، وبخدش روح كانت تنبض ثقة، فالعنف الرقمي ليس شاشة تُطفأ عند إغلاق الجهاز، بل خوفٌ يسهر مع المرأة، يوقظها فجأة، يُربك خطواتها، ويُطفئ شيئًا من نورها، إنه الشعور الخانق بأن أحدهم يراقبها دون أن تراه، يلاحقها دون أن يمشي خلفها، ويقتحم خصوصيتها دون أن يقترب منها.
وخلف كل قصة منشورة عن هذا النوع من العنف، هناك وجوه لا تظهر للعلن: امرأة فقدت النوم لأيام، أم تخشى على ابنتها أكثر من أي وقت مضى، فتاة تعيد التفكير بأحلامها لأنها لم تعد تشعر بالأمان، وسيدة قيادية تُجلد على الشاشات فقط لأنها "امرأة"، فالعنف الرقمي ليس حدثًا عابرًا، ولا خطأ تقنيًا بسيطًا، بل امتداد لعنف قائم أصلًا، شكل جديد لهيمنة قديمة، وسلاح بارد لكنه يترك جروحًا ساخنة لا تُرى.
ماهو العنف الرقمي ضد المرأة؟
العنف الرقمي ضد المرأة هو أي فعل يُمارس باستخدام التكنولوجيا يهدف إلى إيذائها نفسيًا أو اجتماعيًا أو معنويًا، سواء من خلال التهديد، الابتزاز، التنمّر، التشهير، المراقبة، مشاركة الصور دون إذن، اختراق الخصوصية، أو أي سلوك يستغل الفضاء الإلكتروني للإساءة إليها، وعلى عكس العنف التقليدي، فإن هذا النوع من العنف لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة أو وجودًا فعليًا؛ يكفي حساب مجهول، أو مشاركة متسرعة، أو معلومة مسرّبة لتتحول حياة امرأة إلى مساحة تضيق بالخوف، ما يجعل هذا العنف أكثر قسوة، أنه غير مرئي، بلا آثار جسدية تُثبت حدوثه، لكنه يترك ندوبًا نفسية عميقة، ويعيد تشكيل علاقة المرأة بالعالم من حولها، بل وبنفسها أيضًا، فهو يمسّ خصوصيتها، سمعتها، ثقتها، ووجودها الرقمي، الذي بات امتدادًا طبيعيًا لوجودها الواقعي.
حملات تستهدف النساء .. من الانتخابات إلى الإعلام
لم يقتصر العنف الرقمي ضد النساء على كلمات من خلف الشاشة فقط، إنه صدمات تتسلل إلى كل زاوية من حياتهن، خلال الانتخابات البرلمانية الأردنية لعام 2024، تعرضت عدة مرشحان لهجمات على منصات التواصل الاجتماعي، استخدمت فيها حسابات مجهولة لنشر شائعات كاذبة وتشويه صورتهن، محاولين إسكات أصواتهن وإضعاف ثقة المجتمع بقدراتهن، كل تعليق مزيف، كل صورة مفبركة، كان كافيًا ليهز ثقة امرأة كانت تقف بثبات.
وفي المجال الإعلامي، القصة تتكرر، أكثر من نصف الصحفيات الأردنيات أفدن أنهن واجهن تهديدات، خطاب كراهية، وتشويه سمعة مستمر، دفع بعضهن للحد من نشاطهن الرقمي أو حتى حذف حساباتهن، خوفًا من أن تتحول الشاشات إلى ساحة لا ترحم، ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، هناك حالات تصل إلى نطاق قانوني، مثل الصحفية هبة أبو طه التي وُجهت لها تهمة التشهير عبر منشور على فيسبوك، لتكشف أن العنف الرقمي يمكن أن يتحول إلى قيد حقيقي على حرية المرأة، ويزيد من شعورها بالضعف والخوف.
في مشهدٍ يزداد قسوة يومًا بعد يوم، تجد المرأة نفسها أمام نوع جديد من الاستهداف، استهداف يبدأ من خلف شاشة ولا يعرف حدودًا، في الأردن مثلًا، لم يكن ما حدث قبل أشهر للقيادات والموظفات الحكوميات مجرد قضية عابرة أو "حادثة إلكترونية"، كان درسًا مؤلمًا لكيف يمكن للفضاء الرقمي أن يتحوّل إلى محكمة قاسية بلا قاضٍ ولا تحقيق، صورة مفبركة صُنعت، ورسائل مسيئة، وتعليقات تطعن الشرف والسمعة، وكلها انتشرت كالنار، ورغم أن التحقيقات الرسمية أنهت الجدل وأكدت زيف المحتوى المنشور، إلّا أن القصة كشفت هشاشة الأمان الرقمي ولم يبقى سوى الجرح النفسي الذي تركته الحملة، وهو أبعد من أن يُمحى ببيان حكومي أو نفي رسمي.
حماية تشريعية في مواجهة الاعتداءات الرقمية
على المستوى القانوني، يتعامل قانون الجرائم الإلكترونية الأردني مع جزء كبير من الانتهاكات التي تتعرّض لها النساء في الفضاء الرقمي؛ إذا تتضمن مواده تجريم "الذم والقدح والتحقير" الإلكتروني، تُستخدم لإيذاء النساء ومحاولة تفويض حضورهن العام، ويُلاحظ أن القانون يتشدد في العقوبات المرتبطة بهذه الجرائم، حيث تصل الغرامات في بعض الحالات إلى مبالغ مرتفعة قد تتجاوز عشرات آلاف الدنانير، ويعكس هذا التشديد رغبة واضحة في التصدي لخطورة المحتوى المسيء على المنصات الرقمية، خصوصًا عندما تتحول الإساءات إلى أدوات تؤثر على السمعة، الأمن الشخصي، والمسار المهني للضحية.
ورغم أن النصوص القانونية تُكتب بلغة جامدة ومحايدة، إلّا أن الواقع الإنساني خلفها مختلف تمامًا، فخلف كل بلاغ يُقدم، وكل قضية تُسجَّل، تقف امرأة تحاول أن تستعيد أجزاء من نفسها، امرأة وجدت حياتها تتغير خلال ثوانٍ قليلة، ليس لأنها ارتكبت ذنبًا، بل لأن أحدهم قرر أن يحوّل وجودها الرقمي إلى ساحة اعتداء، فالقانون هنا لا يُطبق على نصوص فقط، بل على قصص بشرية تتنفس القلق كلما وصل إشعار جديد، نساء يذهبن إلى أعمالهن وهنّ يحملن ثقل ما قيل عنهن، وما سيُقال، وما قد يُعاد نشره في أي لحظة، والخطير أن كثيرات يبدأن بالانحساب تدريجيًا من حضورهن العام ويصبح الصمت درعًا بدل أن يكون خيارًا
نحو فضاء آمن للنساء
وبينما يواصل الفضاء الرقمي اتساعه، تتسع معه مساحات الخطر إن لم تُحمَ بحق، ما تحتاجه النساء ليس فقط نصوصًا قانونية تجرّم الإساءة، بل منظومة وعي ورقابة ومساندة تجعل حضورهن في العالم الرقمي امتدادًا آمنًا لحياتهن الواقعية، لا تهديدًا لها، فالمجتمع الذي يريد لنسائه أن يزدهرن، عليه أولًا أن يضمن لهن فضاءً لا يستخدم فيه الصوت والصورة كسلاح، وحين تصبح حماية المرأة مسؤولية جماعية، لا يعود الضغط على زر قادرًا على هدم حياة، بل يصبح خطوة نحو بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.





