في غزة .. صمود بوجه القصف والحصار

في قلب الحصار، تحت سماء مشبعة بالدخان، تقف غزة شامخة رغم الجراح، تصوم وهي جريحة، تصلي وهي محاصرة، وتعيش رغم أنف القصف والموت.
لليوم الذي لا يُحصى، يمضي سكانها تحت نيران الطائرات الإسرائيلية التي لا تميز بين بيت ومسجد، بين سوق ومشفى، بين طفل وشيخ، ومع ذلك، تظل الحياة تتسلل من بين الأنقاض، يحدوها الأمل والإصرار على البقاء.
المدينة تحت القصف
تبدأ الغارات مع أولى ساعات الفجر، حينما يستيقظ الصائمون على وقع الانفجارات قبل أن يرفع أذان الفجر، فيدركون أن يوماً آخر من الصبر والمقاومة قد بدأ.
في لحظات، تتحول الأحياء إلى سحبٍ من الغبار، تتهاوى المباني كأوراق خريف مهترئة، وتغدو الشوارع التي كانت تعج بالحياة حقولًا من الركام والدمار.
في الأسواق، حيث اعتاد الناس التبضع استعدادًا للإفطار، باتت الطوابير طويلة أمام المخابز القليلة التي لم تدمرها الغارات.
الأمهات ينتظرن دورهنّ للحصول على كيس طحين أو بضعة أرغفة، وأطفالهنّ يراقبون السماء، يحاولون التنبؤ بمسار الطائرات، بعدما باتت الغارات جزءًا من تفاصيل يومهم الرمضاني.
الإفطار على ضوء القذائف
على موائد الإفطار، لا تجتمع العائلات كاملة، فهناك غائبون خطفتهم الصواريخ، وهناك جرحى يرقدون في المشافي، وهناك أسر نزحت إلى مدارس وكالة الغوث، تبحث عن مأوى يقيها قسوة القصف.
ورغم ذلك، تمتد الأيدي إلى الطعام، تُرفع الأدعية، وتغمر القلوب يقينٌ بأن هذا الألم لن يدوم.
المياه شحيحة، الكهرباء مقطوعة، والبيوت بلا نوافذ، لكن في زوايا المدينة هناك أملٌ عنيد، يتجسد في ضحكات الأطفال الذين يصنعون لعبهم من بقايا الدمار، وفي شجاعة الأمهات اللواتي يربّين الأيتام بقلوب من فولاذ، وفي صمود الآباء الذين يعيدون بناء حياتهم بعد كل قصف وكأنه قدر مكتوب.
المستشفيات.. معركة أخرى للحياة
داخل المستشفيات المنهكة، يكافح الأطباء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، الأسرّة ممتلئة، والأدوية نفدت، وأصوات الأنين تمتزج بنداءات الأطباء الذين يعملون بلا كلل، المسعفون يتنقلون بين الأحياء المدمرة، يرفعون الأنقاض بأيديهم العارية بحثًا عن ناجين، بينما يتوافد الجرحى على المشافي في مشهد يعكس فداحة المأساة.
غزة.. درب الآلام ودرب الصمود
ورغم كل هذا الخراب، تظل غزة صامدة، ليست مجرد مدينة تحت القصف، بل قصة مقاومة، ملحمة من الصبر، ودليل حيّ على أن الإيمان بالحياة أقوى من آلة الحرب، بين الركام، يولد الأطفال، يُرفع الأذان، تُقام الصلاة، وتُكتب قصة جديدة في سجل مدينة لم تعرف الانكسار يومًا.