من "البازار" إلى الشارع.. هل اقتربت لحظة التغيير الكبير في إيران؟

ملخص :
يمثل الاستقرار الاقتصادي العمود الفقري للشرعية السياسية في إيران، ومع تآكل القوة الشرائية للطبقات التقليدية الحليفة للنظام، يتحول الاقتصاد من أزمة مالية إلى أزمة شرعية تهدد استقرار الدولة، تحرك "البازار" لا يقتصر على احتجاجات ضد سعر صرف الريال، بل يعكس فض الارتباط بين الكتلة الاقتصادية التقليدية والنظام السياسي، مما يضعف أدوات الدولة في امتصاص الأزمات الاجتماعية.
وقد وصل سعر صرف الريال الإيراني إلى مستويات قياسية بلغت 1.45 مليون ريال مقابل الدولار، في حين تجاوز معدل التضخم حاجز الـ 50%، هذا الانهيار المالي ليس حدثًا عابرًا، بل نتاج تراكم السياسات الاقتصادية المتأثرة بضغوط دولية، إلى جانب ضربات استهدفت البنية التحتية للطاقة مثل عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو 2025.
سوسيولوجيا الاحتجاج: جيل Z في الواجهة
تجاوزت احتجاجات 2026 التقليدية، لتشكل "كتلة حرجة" موحدة تتجاوز الانقسامات الطبقية والجغرافية، فهذه الاحتجاجات، التي وثقتها منظمات حقوقية مثل "هرانا" في أكثر من 174 موقعًا ضمن 25 محافظة، تجمع بين عفوية الشباب، وخبرة التنظيم المهني، مما يجعل استراتيجيات الاحتواء التقليدية عديمة الفاعلية.
برز في هذا السياق جيل الشباب الذي نشأ في ظل العقوبات والانسداد السياسي، ويعاني مما يسميه المحللون النفسيون "الاحتراق السياسي"، فرغم سقوط 16 قتيلاً، واعتقال نحو 1000 شخص حتى، لم تتراجع وتيرة النزول إلى الشارع، مع استخدام تكتيكات "الاحتجاج السيال" التي تشتت تركيز الأمن على نقطة واحدة.
التصدع في قمة الهرم: بين المطرقة والسندان
يظهر الانقسام الواضح داخل المؤسسة الحاكمة، بين "الواقعية السياسية" التي يمثلها الرئيس، مسعود بزشكيان، و"الأيديولوجيا الأمنية" للحرس الثوري، إذ يسعى بزشكيان للعب دور المصلح المعترف بمشروعية المطالب الاقتصادية، في حين يصر جناح المتشددين على وصف الاحتجاجات بأنها مؤامرة كونية تستوجب الحسم الأمني الكامل.
تعكس الاستقالات في المناصب الاقتصادية، مثل محافظ البنك المركزي، والتعيينات الأمنية بدلًا من التكنوقراطية، ازدواجية توجه الدولة بين إدارة الأزمة اقتصاديًا وأمنيًا، مما يعمق الفجوة بين الواقع الاقتصادي والقرار السياسي.
الجيوسياسة المشتعلة: من الصبر الاستراتيجي إلى الانكشاف
تتقاطع الأزمات الداخلية مع التحديات الدولية فيما يمكن وصفه بـ "الاعتماد المتبادل للأزمات"، ففقدان الردع العسكري بعد ضربات 2025 النووية، إلى جانب عودة سياسة الضغوط القصوى الأمريكية، يضع إيران أمام مأزق وجودي، فأي رد فعل خارجي قد يكون مغامرة محفوفة بالمخاطر، وأي انسحاب داخلي يُعد اعترافًا بالضعف.
وكشفت عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو 2025 هشاشة البنية النووية، ووضع النظام تحت تهديد أمريكي مباشر، مع تحذيرات واضحة من التدخل العسكري لحماية المدنيين في حال القمع، فيما تراقب إسرائيل بدورها الانهيار الداخلي، مع تقديرات لاحتمالية استغلال النظام المشتت لتوجيه ضربات استراتيجية للقيادات العسكرية أو البنية التحتية.
السيناريوهات المستقبلية: البوصلة بين الانهيار والمواجهة
تستعرض التحليلات السياسية ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل إيران في 2026:
- الانهيار المتسلسل: انشقاقات داخل القوات المسلحة، خاصة الجيش والرتب الدنيا للحرس، تؤدي إلى سقوط المركز، وظهور فوضى، أو حكم عسكري مؤقت.
- التنازل الوجودي: قبول القيادة العليا صفقة سياسية تتضمن التخلي عن الطموح النووي ووقف التوسع الإقليمي مقابل رفع العقوبات وإنقاذ النظام.
- المواجهة الشاملة: هروب النظام للأمام عبر إشعال حرب إقليمية كبرى، لإعادة فرض الطوارئ داخليًا، وهو سيناريو قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها.
إن إيران اليوم ليست كما كانت قبل عقد، إذ وصلت الفجوة بين "جمهورية الشعارات" وواقع الجوع إلى ذروتها، بينما يعتمد النظام على أدواته الأمنية، يراهن الشارع على صموده والدعم الدولي، لتكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مصير النظام ومستقبل الشرق الأوسط.





