ما سر اهتمام ترامب بـ "غرينلاند"؟

ملخص :
جدد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، موقفه بشأن جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "تحتاج إلى غرينلاند من وجهة نظر الأمن القومي"، موضحا في تصريحات للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، أن الدانمارك "لن تتمكن من الاهتمام بذلك"، في إشارة إلى ما اعتبره قصورًا في قدرة كوبنهاغن على إدارة الجزيرة وفقًا لمصالح الأمن الغربي.
وأشار الرئيس الأميركي إلى الموقع الاستراتيجي لغرينلاند، معربًا عن مخاوفه من "تزايد النفوذ الروسي والصيني" في الجزيرة، ووجود سفن تابعة لهذين البلدين في محيطها، مضيفا أن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند ستخدم "المصالح الغربية الأوسع"، وأن الاتحاد الأوروبي "بحاجة إليها" أيضًا لضمان أمنه، لكن السؤال الأبرز؛ لماذا يهتم ترامب بضم الجزيرة؟
تاريخ من المحاولات.. من "صفقة آلاسكا" إلى "حلم غرينلاند"
لم يكن الطموح الأمريكي بشأن غرينلاند مفاجئاً، بل يمثل امتداداً للتوجه التوسعي الذي يهدف إلى حماية الأمن القاري والسيطرة على المحيط الأطلسي:
- 1867: أبدت وزارة الخارجية الأمريكية اهتمامها بالجزيرة بالتزامن مع صفقة شراء ألاسكا.
- 1946: قدم الرئيس هاري ترومان عرضاً قدره 100 مليون دولار ذهباً لشراء غرينلاند، مدركاً أهميتها الاستراتيجية بعد الحرب العالمية الثانية.
- ترامب: تحول الطموح من مجرد رغبة دبلوماسية إلى ضرورة جيوسياسية، مدفوعة بتغير المناخ، وزيادة التنافس التكنولوجي مع الصين.
غرينلاند "الحاملة الجوية غير القابلة للإغراق"
تلعب غرينلاند دوراً محورياً في الدفاع عن أمريكا الشمالية، والسيطرة على المحيط الأطلسي، إذ تتيح السيطرة على المسارات الحيوية وتحسين قدرات الردع:
- مراقبة فجوة GIUK: السيطرة على الممر البحري بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة تمنح الولايات المتحدة القدرة على متابعة مسارات الغواصات والقطع البحرية الروسية المتجهة من القطب الشمالي إلى مياه الأطلسي الدافئة.
- قاعدة بيتوفيك العسكرية: تقع أبعد قاعدة أمريكية شمالاً، وتشكل جزءاً أساسياً من منظومة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، ويتيح ضم الجزيرة تحديث هذه القواعد دون قيود السيادة الدنماركية.
- الردع القطبي: مع إعادة روسيا تنشيط عشرات القواعد العسكرية المهجورة، يمثل ضم غرينلاند خطوة استراتيجية لمنع تحول القطب الشمالي إلى ما يشبه "بحيرة عسكرية روسية".
السيطرة على "معادن المستقبل"
ذوبان الجليد في غرينلاند يكشف عن ثروات طبيعية ضخمة، ما يجعلها هدفاً اقتصادياً استراتيجياً:
- العناصر الأرضية النادرة: تحتل غرينلاند مكانة عالمية كأحد أكبر مخازن المعادن النادرة اللازمة لصناعة الرقائق الإلكترونية والطائرات المقاتلة (F-35) وبطاريات السيارات الكهربائية، وهو ما قد يقلص احتكار الصين لهذه الموارد.
- احتياطيات كبيرة من اليورانيوم والمعادن النادرة.
- النفط والغاز: تقدر احتياطيات الجرف القاري للجزيرة بحوالي 31 مليار برميل مكافئ نفطي.
- المياه العذبة: تمتلك غرينلاند نحو 10% من مخزون المياه العذبة العالمي، وهو مورد استراتيجي متنامٍ الطلب.
التنافس مع الصين: "طريق الحرير القطبي"
تحاول الصين توسيع نفوذها في القطب الشمالي عبر الاستثمار والمشاريع الاقتصادية، ما دفع واشنطن للتحرك:
- البنية التحتية والمطارات: في 2018، حاولت الصين تمويل مطارات دولية في الجزيرة، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً لمبدأ مونرو الذي يمنع التدخل الأجنبي في شؤون القارة الأمريكية.
- مفهوم "الدولة القريبة من القطب": سعت الصين لتعريف نفسها بهذه الصفة، مما دفع إدارة ترامب للتحرك بسرعة لإغلاق الباب أمام أي نفوذ صيني محتمل.
استراتيجيات مستقبلية محتملة
تشير التحليلات إلى عدة سيناريوهات للتعامل مع غرينلاند:
- الضم الناعم (Soft Annexation): زيادة الاستثمارات الأمريكية وتوسيع القواعد العسكرية لتصبح الجزيرة تابعة اقتصادياً وأمنياً لواشنطن، مع بقاء التبعية الاسمية للدنمارك.
- دعم الاستقلال: قد تدعم واشنطن حركات استقلال غرينلاند لإبرام اتفاقيات دفاعية واقتصادية تجعلها "محمية أمريكية".
- المواجهة الدبلوماسية: استمرار الضغط الأمريكي قد يؤدي إلى توترات داخل حلف الناتو، حيث قد تعتبر بعض الدول الأوروبية هذا النهج نزعة استعمارية جديدة.
رفض غرينلاند والدانمارك القاطع
أعرب رئيس وزراء غرينلاند، فريدريك نيلسن، عن رفض بلاده المتكرر لأي حديث عن ضم الجزيرة، قائلاً: "هذا يكفي"، ونشر نيلسن على صفحته الرسمية على فيسبوك: "لا مزيد من الضغوط، لا مزيد من التلميحات، لا مزيد من أوهام الضم، نحن منفتحون على الحوار والمناقشات، لكن يجب أن تكون عبر القنوات الصحيحة ووفقًا للقانون الدولي".
وفي السياق نفسه، طالبت رئيسة وزراء الدانمارك، مته فريدريكسن، الولايات المتحدة بـ "الكف عن تهديداتها ضد حليف تاريخي"، بعد أن كرر ترامب تأكيده على "الحاجة" إلى الجزيرة، قائلة في بيان رسمي "يجب أن أقول للولايات المتحدة بوضوح: من غير المقبول تمامًا أن يُقال إن الولايات المتحدة يجب أن تسيطر على غرينلاند".
دعم فرنسا لسيادة غرينلاند
أكدت فرنسا، أمس الاثنين، دعمها الكامل لسيادة أراضي الدانمارك وغرينلاند، وذلك عقب تصريحات ترامب الأخيرة، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، في مقابلة مع قناة "تي إف 1": "نحن نتضامن مع الدانمارك.. غرينلاند ملك لشعب غرينلاند وشعب الدانمارك، والأمر متروك لهما لتقرير ما يرغبان في القيام به"، مشددا على أن "تغيير الحدود بالقوة أمر غير مقبول"، مؤكدًا الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.
تبقى غرينلاند محوراً أساسياً في "اللعبة الكبرى" الجديدة، حيث تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع الثروات الطبيعية في وقت يشهد إعادة تشكيل النظام العالمي، بالنسبة للإدارة الأمريكية، تمثل السيطرة على غرينلاند استثماراً في التفوق الاستراتيجي للولايات المتحدة.





