دونالد ترامب: شخصية نرجسية تزدهر في الفوضى

ملخص :
لا يمكن فهم دونالد ترامب من خلال التصنيفات السياسية التقليدية (يمين أو يسار)، بل يجب اعتباره "بنية شخصية" متكاملة، صهرت في بيئة نيويورك العقارية الصارمة، وتحت تأثير ديناميكيات أسرية حازمة، يهدف هذا التقرير إلى تفكيك شخصيته استنادًا إلى نماذج علمية معتمدة في علم النفس السياسي (قسم التحليل النفسي والسلوكي).
الجذور التكوينية – فلسفة "الفائز والخاسر"
نشأ دونالد في ظل أب (فريد ترامب) كان يجسد نموذج الرأسمالية الصارمة، فوفقاً لمذكرات العائلة: مثل كتاب ماري ترامب "Too Much and Never Enough"، لم يكن هناك مجال للضعف في منزل ترامب، وترتبط شخصية ترامب بفلسفة والده، فريد ترامب، الذي أدار منزله بمنطق تنافسي صارم.
- عقدة التفوق: وفقًا لنظرية ألفرد أدلر، سعى ترامب لتعويض ضغوط والده من خلال إرادة القوة، في بيئة فريد ترامب، كان العالم مقسمًا إلى فئتين فقط: "الفائزين" و"الخاسرين".
- الهروب من مصير شقيقه الأكبر: شكل موت شقيقه فريدي منعطفًا نفسيًا، حيث اعتبر دونالد أن العاطفة والضعف طريق للهلاك، فتقمص شخصية "الرجل الحديدي" الذي لا يعتذر ولا يتراجع.
- قوة التفكير الإيجابي: تبنى ترامب تعاليم نورمان فينسينت بيل، التي تحولت لديه من فلسفة روحية إلى أداة سيكولوجية لفرض "حقيقته الخاصة" على الواقع، مهما كانت الحقائق الموضوعية مغايرة.
السمات الخمس الكبرى
يُعد نموذج العوامل الخمسة الكبرى الأداة الأكثر موثوقية في علم النفس الأكاديمي لقياس الشخصية، ويتفق معظم العلماء، مثل ماك آدامز (Dan McAdams) على التوزيع التالي لترامب:
أولا: الانبساطية (Extraversion): مرتفعة جداً، إذ يُظهر ترامب مستويات استثنائية من الانبساطية، فهو شخص "اجتماعي صاخب" يستمد طاقته من الحشود والأضواء.
ثانيا: المقبولية (Agreeableness): منخفضة جداً، إذ تُشير المقبولية إلى مدى اهتمام الشخص بالانسجام الاجتماعي والتعاون. ترامب يسجل مستويات متدنية جداً هنا.
ثالثا: الانفتاح على الخبرة (Openness): منخفض إلى متوسط، حيث يميل ترامب إلى الأفكار التقليدية (القومية، الحدود، الحماية الاقتصادية) بدلاً من الأفكار الفلسفية أو المعقدة.
رابعا: الضمير الحي (Conscientiousness): متباين، بينما يُظهر ترامب انضباطاً كبيراً في بناء إمبراطوريته المالية، إلا أنه في الجانب الأخلاقي والتنظيمي يبدي "عدم انضباط" في التصريحات، وغالباً ما يتجاهل البروتوكولات الرسمية.
خامسا: العصابية (Neuroticism): منخفضة في المظهر الخارجي، لكنها تظهر عند ترامب في "الارتياب" تجاه مؤامرات مفترضة.
"الرجل المرحلي"
يصنف المحللون، مثل دان ماك آدامز (Dan McAdams)، ترامب كـ "رجل مرحلي"، حيث يرى ترامب الحياة كمجموعة من المعارك المنفصلة، وليس كقصة متصلة بالمبادئ، كل يوم يمثل معركة جديدة يجب الانتصار فيها، مما يفسر تناقضاته التصريحية، وتتمثل في:
النرجسية الخبيثة
في علم النفس، يفرق كوهوت بين النرجسية الصحية والاضطرابية، ففي حالة ترامب تُصنف غالباً ضمن "النرجسية الخبيثة"، وهي مزيج من:
- العظمة: الشعور بأنه الوحيد القادر على "الإصلاح".
- غياب الندم: القدرة على خرق الأعراف بلا شعور بالذنب.
- العدوانية: استخدام التنمر السياسي كأداة للهيمنة.
- الارتياب: تصوير الخصوم كأعداء للدولة وليس مجرد معارضين سياسيين.
السلوك السياسي ولغة الجسد
يعتمد ترامب على سيكولوجيا الهيمنة في لقاءاته ومناظراته:
- المصافحة الساحبة: محاولة سحب الطرف الآخر للجسم لفرض السيطرة المكانية.
- اللغة المبسطة والمتكررة: كلمات مثل "عظيم"، "كارثة"، و"فاشل" لبرمجة العقل الجمعي.
- التواصل المباشر: تجاوز وسائل الإعلام التقليدية للتواصل العاطفي المباشر مع الجمهور.
العقلية النفعية
ينظر ترامب إلى الدولة كـ "شركة" والعلاقات الدولية كـ "صفقات"، إذ لا يؤمن بالتحالفات الدولية كقيم مطلقة، بل يسأل دائمًا: "ماذا سنربح ماليًا من هذا؟"، هذه البراغماتية تسمح له بالتحول من التهديد إلى التقارب مع خصومه، كما حدث مع زعيم كوريا الشمالية، بمجرد وجود صفقة محتملة.
الاستنتاج النهائي: شخصية "البطل المتمرد"
يمثل دونالد ترامب نموذج قائد يزدهر في الفوضى، مدفوعًا بحاجة لتعويض نقص عاطفي قديم من خلال "السلطة المطلقة"، ويمكن تلخيص ذلك في:
- الدافع: إثبات الذات أمام ذكرى الأب الصارم.
- الأداة: التشكيك بالمؤسسات لفرض المركزية الشخصية.
- نقطة القوة: قدرة هائلة على الصمود النفسي أمام الهجمات.
- نقطة الضعف: صعوبة العمل ضمن نظام لا يدار حول شخصه.





