المدن الذكية حياة أسهل أم مراقبة أعمق؟

ملخص :
لم تعد المدن الذكية فكرة مستقبلية أو مشروعًا تجريبيًا، بل واقعًا يتشكّل فعليًا في عدد من الدول العربية، الشوارع المزودة بكاميرات ذكية، المباني التي تُدار رقميًا، أنظمة تتنبأ بالسلوك، وتتابع حركة المرور والطاقة والمياه، كلها مؤشرات على نموذج حضري جديد، وبين الوعد بالراحة والخوف من فقدان الخصوصية، يقف المواطن العربي أمام معادلة لم تُحسم بعد.
تحطيم الحواجز التقليدية للحياة اليومية
دخلت المدن الذكية إلى العالم العربي عبر بوابة الحداثة السريعة، خدمات كانت تستغرق ساعات من الانتظار باتت تُنجز خلال دقائق عبر تطبيقات الهاتف، دفع الفواتير، وحجز المواعيد الحكومية، وتتبع المواصلات العامة، وحتى تقديم الشكاوى، أصبحت عمليات رقمية تقلل الاحتكاك المباشر وتحدّ من البيروقراطية.
هذا التحول خلق نمط حياة جديد، أكثر سرعة وانسيابية، يتماشى مع إيقاع المدن الحديثة، وفي بعض الدول، باتت المدينة تتحدث مع سكانها، عبر تنبيهات ذكية عن الازدحام، أو استهلاك الطاقة، أو الطوارئ هنا، تتحول المدينة إلى كيان حي، قادر على التكيّف مع احتياجات سكانه.
البنية الرقمية رفاهية أم تبعية؟
رغم الإبهار التكنولوجي، يطرح المشهد الرقمي المتكامل تساؤلات جوهرية، فشبكات الاستشعار تحت الطرق، والكاميرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات التي تدير المدينة لحظة بلحظة، كلها تعتمد على بنية تقنية معقدة السؤال الأهم: من يمتلك هذه البيانات؟ ومن يتحكم بها؟
في كثير من الحالات، تعتمد المدن العربية على شركات تقنية عالمية لإدارة أنظمتها الذكية، ما يفتح بابًا للتبعية التكنولوجية، هذه التبعية قد تحمل مخاطر اقتصادية وسياسية، خصوصًا في حال تعارض المصالح، أو حدوث اختراقات أمنية، أو تغيّر في سياسات الشركات المالكة للتقنيات.
المواطن تحت الضوء بين الأمان والرقابة
تسوّق المدن الذكية غالبًا بوصفها مدنًا أكثر أمانًا، فالمراقبة الدقيقة للشوارع، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالجرائم، كلها أدوات تهدف إلى تقليل المخاطر وتعزيز الأمن، غير أن هذه المراقبة نفسها يمكن أن تتحول إلى تتبع دائم للحياة اليومية.
حركة السيارة، الدخول إلى المباني، استخدام وسائل النقل، وحتى بعض الأنشطة الرقمية، تصبح بيانات قابلة للرصد والتحليل، هنا، يتشكل السؤال الأخطر: هل تتحول حياة المواطن إلى ملف رقمي مفتوح؟ وهل توجد تشريعات واضحة تحدد ما هو مسموح وما هو محظور في استخدام هذه البيانات؟
الخصوصية في السياق العربي
تختلف مسألة الخصوصية في العالم العربي عن السياق الغربي، ففي ظل غياب نقاش مجتمعي واسع حول الحقوق الرقمية، وضعف الأطر القانونية في بعض الدول، تصبح حماية البيانات مسألة مؤجلة، كثير من المواطنين يرحبون بالخدمات الذكية دون التفكير في ثمنها غير المرئي: التخلي التدريجي عن الخصوصية.
هذا القبول الضمني قد يمنح السلطات هامشًا واسعًا لاستخدام التكنولوجيا دون رقابة كافية، ما يجعل الخصوصية مسألة إدارية أكثر منها حقًا أصيلًا.
نماذج عربية.. رفاهية ملموسة بنكهة رقابة
في الإمارات، تُعد تجربة دبي الذكية واحدة من أبرز النماذج العربية، فقد نجحت الإمارة في رقمنة معظم الخدمات الحكومية، وتحويل المدينة إلى شبكة مترابطة من الأنظمة الذكية، المواطن والمقيم يحصلان على خدمات سريعة وفعالة، لكن في المقابل، تتجمع كميات هائلة من البيانات حول الحركة اليومية لكل فرد.
وفي السعودية، تمثل نيوم النموذج الأكثر طموحًا، مدينة تُدار بالكامل بالذكاء الاصطناعي، حيث تُتخذ القرارات بناءً على تحليل البيانات لحظة بلحظة، هذا النموذج يُقدَّم بوصفه مستقبل المدن، لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول حدود الرقابة حين تصبح التكنولوجيا هي العقل المدبر للمدينة.
أما مدينة مصدر في أبو ظبي تقدّم نموذجًا مختلفًا، يركز على الاستدامة والطاقة النظيفة، ورغم أن هاجس الرقابة فيها أقل وضوحًا، إلا أن جمع البيانات يظل عنصرًا أساسيًا في إدارتها.
وكذلك الدوحة والمنامة، تسيران نحو رقمنة شبه كاملة للخدمات الحكومية، مع توسع في استخدام الكاميرات الذكية وأنظمة التحليل المروري، ما يعزز الكفاءة، لكنه يفتح نقاشًا متزايدًا حول حدود معرفة الدولة بتفاصيل حياة المواطن.
الاقتصاد الجديد من يستفيد أكثر؟
اقتصاديًا، تُعد المدن الذكية محرّكًا قويًا للنمو، فهي تجذب الاستثمارات، وتخلق وظائف تقنية، وتفتح أسواقًا جديدة، غير أن هذا الاقتصاد الرقمي قد يعيد توزيع الثروة بطريقة غير متوازنة.
فالشركات التقنية الكبرى تصبح اللاعب الرئيسي، بينما قد تُهمَّش الفئات غير القادرة على مواكبة التحول الرقمي، هذا الواقع يهدد بخلق فجوة اجتماعية جديدة بين "المواطن الرقمي"، و"المواطن التقليدي"، حيث تتحول التكنولوجيا من أداة تمكين إلى عامل إقصاء.
الفجوة الرقمية خطر صامت
لا يمكن تجاهل أن نجاح المدن الذكية يفترض وجود مواطن قادر على التعامل مع التكنولوجيا، لكن في مجتمعات تعاني من تفاوت تعليمي واقتصادي، قد تتحول الرقمنة إلى عبء على فئات واسعة، خصوصًا كبار السن، وذوي الدخل المحدود.
وغياب برامج التوعية والتأهيل قد يجعل هذه الفئات خارج المشهد، ما يطرح سؤال العدالة الرقمية في المدن الذكية.
من يحاسب الخوارزميات؟
في المدن الذكية، لا تُتخذ القرارات دائمًا من البشر، بل من الخوارزميات، أنظمة تقرر توزيع المرور، أو أولوية الخدمات، أو حتى تقييم المخاطر الأمنية، لكن من يحاسب هذه الخوارزميات؟ ومن يضمن أنها تعمل دون تحيز أو خطأ؟، إن غياب الشفافية في عمل الأنظمة الذكية قد يؤدي إلى قرارات غير عادلة، يصعب الطعن فيها أو فهم منطقها.
نحو توازن ضروري
المدن الذكية ليست شرًا مطلقًا ولا خلاصًا كاملًا، هي أداة قوية، تعتمد نتائجها على كيفية استخدامها، والتحدي الحقيقي أمام العالم العربي ليس في بناء المدن الذكية، بل في بناء منظومة تشريعية وأخلاقية تحكمها، تضمن توازنا يحفظ كرامة الإنسان، ويضمن الخصوصية، ويمنع تحول التكنولوجيا إلى وسيلة سيطرة بدل أن تكون وسيلة خدمة.





