خامنئي يُهدد بحرب إقليمية وترامب يُعيد حساباته

ملخص :
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الأحد، إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، وذلك عقب تحذير المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية قد يفضي إلى اندلاع حرب إقليمية، وقلّل ترامب من وقع التحذير الإيراني، قائلاً للصحفيين من منتجعه في مارالاغو بولاية فلوريدا: "من الطبيعي أن يقول ذلك"، مضيفاً نأمل أن نصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك، فسنرى حينها ما إذا كان محقاً أم لا.
تصعيد لفظي ورسائل متبادلة بين الضغط والدبلوماسية
تأتي هذه التصريحات في مناخ متوتر يتسم بتصاعد المواجهة الاستراتيجية بين واشنطن وطهران، حيث يتبادل الطرفان التهديدات والإشارات الدبلوماسية في إطار ما يشبه حرباً نفسية كلامية معقدة، قد تنتهي إما بانزلاق إلى مواجهة إقليمية، أو بفتح مسار تفاوضي غير مسبوق.
وجاء تحذير خامنئي من أن أي ضربة أميركية على الأراضي الإيرانية ستشعل حرباً واسعة، في توقيت حساس تزامن مع تحوّل نسبي في لهجة ترامب نحو الحديث عن حوار جاد مع طهران، وإعرابه عن أمله في أن تقود المفاوضات إلى اتفاق يحول دون امتلاك إيران أسلحة نووية.
وساطة تركية محتملة ومساعٍ إقليمية لاحتواء التصعيد
بالتوازي مع ذلك، برزت أنقرة كوسيط محتمل في محاولة لخفض التوتر، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع إيران وروابطها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأفاد موقع "أكسيوس" بأن إدارة ترامب أبلغت طهران عبر قنوات متعددة استعدادها لعقد لقاء تفاوضي، في وقت يتواصل فيه الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، بما يرفع سقف الرهانات بين تفادي ضربة عسكرية والانزلاق إلى حرب أوسع.
وذكرت مصادر مطلعة أن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار خلال الأيام المقبلة، في إطار جهود دبلوماسية ترمي إلى كبح التصعيد.
البيت الأبيض: لا قرار بشأن الضربة
أكد مسؤولون في البيت الأبيض أن الرئيس ترامب لم يحسم قراره بعد في شأن توجيه ضربة لإيران، ولا يزال منفتحاً على الخيار الدبلوماسي، مشددين على أن الحديث عن التفاوض ليس مناورة تكتيكية، ويعكس هذا الموقف استمرار سياسة المسارين التي تجمع بين الضغط العسكري وفتح قنوات الحوار.
تحركات إسرائيلية ورفع مستوى التنسيق العسكري
في المقابل، تكشف المشاورات العسكرية الإسرائيلية-الأميركية عن دفع إسرائيلي باتجاه تشديد الخيارات الصلبة، فقد أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير محادثات في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، شملت عرض معلومات استخباراتية حساسة حول أهداف محتملة داخل إيران، ومناقشة سيناريوهات عملياتية وآليات دفاع مشتركة.
وجاءت هذه اللقاءات استكمالاً لاجتماعات عقدها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في تل أبيب الأسبوع الماضي، في مؤشر على ضغط إسرائيلي متزايد باتجاه توجيه ضربة أميركية حاسمة لطهران.
تصريحات دبلوماسية أميركية ورسائل ردع
تزامنت هذه التحركات مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، لقناة "12 الإسرائيلية"، أكد فيها أن ترامب "رئيس يفي بوعوده ولا يطلق تهديدات فارغة"، مشيراً إلى أن قرار توجيه ضربة لم يُحسم بعد، مضيفا أن الرئيس الأميركي يسعى دائماً إلى أفضل نتيجة ممكنة، مذكّراً بأنه مؤلف كتاب "فن الصفقات"، وأن التوصل إلى اتفاق سيكون السيناريو المثالي إن أمكن تحقيقه.
تعزيز الدفاعات الجوية وانتشار بحري واسع
ووفق تقارير صحافية أميركية، تكثف إدارة ترامب تحركاتها لتعزيز منظومات الدفاع الجوي في أنحاء الشرق الأوسط تحسباً لفشل المحادثات والوساطات، وما قد يترتب على أي ضربة أميركية من ردّ إيراني انتقامي ونزاع إقليمي أوسع، ويعمل البنتاغون على نشر أنظمة صواريخ إضافية من طرازي "باتريوت" و"ثاد" ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب وجود ثماني مدمرات بحرية أميركية قادرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويرى خبراء أن هذا الانتشار المكثف يعكس استراتيجية ردع محسوبة تهدف إلى رفع كلفة التصعيد من دون اندفاع مباشر نحو مواجهة شاملة.
تقديرات أميركية: الضربة ليست وشيكة
وفي إطار هذا النهج المزدوج الذي يجمع بين الضغط العسكري والانفتاح الدبلوماسي، بدأت دوائر أميركية تتحدث عن احتمال تراجع ترامب عن خيار الضربة العسكرية في المدى القريب، ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن أي تحرك عسكري أميركي لن يكون قريباً قبل استكمال تعزيز واسع لمنظومات الدفاع الجوي، ما يعيد تسليط الضوء على المهلة الزمنية التي يمنحها ترامب لطهران وعلى مساعي الوساطة الرامية إلى بلورة اتفاق.
مبادرة أردوغان وشروط أميركية صارمة
واقترح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استضافة محادثات نووية في تركيا خلال الأسبوع الجاري، مع التركيز على مقاربات تدريجية لمعالجة الخلافات، وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن إيران مستعدة للتفاوض على الملف النووي، محذراً في الوقت نفسه من أن أي هجوم أميركي سيكون خياراً خاطئاً يجب تجنبه.
غير أن الشروط التي تطرحها واشنطن تشكل تحدياً كبيراً، إذ تشمل تسليم المواد النووية الحساسة، وإنهاء تخصيب اليورانيوم محلياً، وفرض قيود مشددة على برنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب وقف دعم الجماعات الحليفة في الإقليم.
الموقف الإيراني: تحفظات داخلية وانقسام في المقاربات
من منظور طهران، تُعد هذه المطالب مساساً بجوهر عقيدتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي، وتشير تقارير إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي يرفض تقديم تنازلات جوهرية، في حين يفضّل بعض كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية اعتماد مقاربة تفاوضية أكثر مرونة لتفادي التصعيد.
فرص الوساطة: بين حلول تدريجية ومخاطر الفشل
تتباين التقديرات بشأن فرص نجاح الوساطة التركية، فبينما ترى تقارير أن حلولاً تدريجية قد تُبلور لتخفيف حدة النزاع، ترجّح تحليلات أخرى تعثر هذه الجهود بسبب رفض إيران تقديم تنازلات جوهرية قبل انقضاء المهلة التي لم يحدد ترامب مدتها، ويقلّل مسؤولون أميركيون من احتمالات اختراق دبلوماسي سريع، معتبرين أن طهران لم تُظهر حتى الآن استعداداً فعلياً لقبول الشروط المطروحة.
كلفة الخيار العسكري وتداعيات التراجع المحتمل
تشير تصريحات ترامب إلى تفضيله مسار الصفقة، ما يرفع احتمال العدول عن الخيار العسكري إذا نجحت الجهود الدبلوماسية، ولا سيما في ظل الكلفة الباهظة لأي حرب على أسعار النفط العالمية والاقتصاد الدولي.
وعلى الجانب الإيجابي، يتيح هذا الخيار استمرار سياسة الضغط الأقصى من دون الانجرار إلى صدام مباشر، ووفق تقرير لمجلة "أتلانتيك"، يتيح الوجود البحري الأميركي الحالي تشديد الرقابة على مضيق هرمز ومصادرة ناقلات النفط، بما يزيد الضغوط على طهران داخلياً، إلى جانب دور منظومات الدفاع الجوي في حماية الحلفاء وردع إيران من دون تصعيد مباشر.
مخاطر الرد غير المباشر واستنزاف الموارد
وفي المقابل، ينطوي الامتناع عن توجيه ضربة على سلبيات محتملة، من بينها تعزيز الموقف التفاوضي لطهران باعتبار أن عامل الوقت قد يعمل لمصلحتها، كما قد تلجأ إيران إلى تصعيد غير مباشر عبر هجمات تنفذها جماعات حليفة في العراق أو سوريا، أو من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع أسعار النفط ويؤثر في الاقتصاد العالمي.
وحذّرت "وول ستريت جورنال" من أن هذا المسار قد يؤدي أيضاً إلى إنهاك الموارد الأميركية، في ظل محدودية بطاريات "ثاد" الدفاعية، واستنزاف الذخائر نتيجة مواجهات سابقة، كما تعبّر إسرائيل عن خشيتها من أن يُفسَّر أي تراجع أميركي عن توجيه ضربة بوصفه مؤشراً على ضعف، ما قد يشجع إيران على التشدد ورفع سقف شروطها التفاوضية.





