ما هي "القوة القاهرة" في قطاع الطاقة ومتى تُستخدم؟

ملخص :
تعريف "القوة القاهرة" وأصولها التاريخية
يشير مصطلح "القوة القاهرة" في القانون التجاري والدولي إلى حدث مفاجئ وغير متوقع يعفي أحد أطراف العقد من تنفيذ التزاماته دون تحميله غرامات مالية أو المسؤولية القانونية، ونشأ هذا المفهوم في مطلع القرن التاسع عشر ضمن القانون المدني الفرنسي، وتحديدًا في قانون نابليون، بعد أن تطوّر من جذوره الرومانية القديمة في مفهوم ""Vis Maior، أي "قوة لا يمكن مقاومتها"، أو "فعل إلهي"، وكان يشمل الأضرار الناجمة عن عوامل طبيعية صرفة لا تدخل للإنسان فيها.
لاحقًا، توسع مفهوم القوة القاهرة ليشمل الأحداث المفاجئة الخارجة عن السيطرة البشرية، مثل الحروب، والإضرابات، والهجمات الإرهابية، أو الكوارث الكبرى، دون الاقتصار على الطبيعة.
تطبيق القوة القاهرة في العقود التجارية
يُستخدم بند القوة القاهرة بشكل واسع في العقود طويلة الأمد، لا سيما في مجال النفط والغاز، لحماية الأطراف من المسؤولية القانونية في حال تعذّر تنفيذ الالتزامات التعاقدية نتيجة أحداث غير متوقعة وخارجة عن إرادة الإنسان، وعند تفعيل القوة القاهرة:
- يُعلّق تنفيذ الالتزامات المتأثرة مؤقتًا.
- لا يتحمّل الطرف أي غرامات أو مسؤولية قانونية خلال فترة الظروف الاستثنائية.
- قد تتضمن العقود أحكامًا لتأجيل مواعيد التسليم أو تخفيض الكميات المتفق عليها.
كما تشمل المعاهدات الدولية هذه البنود، وفق معايير وضعتها منظمات مثل غرفة التجارة الدولية واتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، والتي تشترط أن يكون الحدث غير متوقع وخارج السيطرة ويؤدي إلى استحالة التنفيذ.
المعايير القانونية لتفعيل القوة القاهرة
توضح المادة 79 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع أن الطرف غير مسؤول عن إخفاقه في حال أثبت أن العائق كان خارج إرادته، ولم يكن متوقعًا، ولم يكن بالإمكان تلافيه، وتتطلب الإجراءات القانونية لتفعيل بند القوة القاهرة تحقق ثلاثة شروط أساسية:
- خارج السيطرة: أن يكون الحدث خارج قدرة الطرف على منعه أو التحكم فيه.
- غير متوقع: أن يكون الحدث غير قابل للتنبؤ عند توقيع العقد.
- استحالة التنفيذ: أن يؤدي إلى عجز كامل عن الوفاء بالالتزامات التعاقدية.
تجارب سابقة لتفعيل القوة القاهرة
جائحة كوفيد-19
مع بدء الجائحة في أواخر 2019، لجأت العديد من الشركات إلى تفعيل بنود القوة القاهرة لتأجيل مواعيد التسليم أو الإعفاء مؤقتًا من الالتزامات، استنادًا إلى أن الوباء حدث غير متوقع وخارج عن السيطرة البشرية، وأصدرت بعض الدول، مثل الصين، شهادات قوة قاهرة للشركات المتضررة، بهدف حمايتها من المسؤولية القانونية وغرامات التأخير.
وفي 2020، أصدرت غرفة التجارة الدولية نسختين من بنود القوة القاهرة (طويلة وقصيرة) لتعريف الحدث المؤثر وتمكين الشركات من توثيق أثر الأحداث غير المتوقعة على الالتزامات التعاقدية، بما في ذلك الجوائح مثل كوفيد-19.
ليبيا 2024
أعلنت الحكومة الليبية حالة القوة القاهرة على كامل قطاع النفط بعد أزمة تعيين محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي، ما أدى إلى تعليق الإنتاج والتصدير كخطوة ضغط سياسي لحماية موارد الدولة المالية، كما طبقت مؤسسة النفط الليبية القوة القاهرة على حقل "الفيل" النفطي الذي ينتج نحو 125 ألف برميل يوميًا.
السودان 2024-2025
أعلنت الخرطوم حالة القوة القاهرة نتيجة توقف خط أنابيب النفط الرئيسي من جنوب السودان بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، واستمر تعليق الالتزامات حتى يناير/كانون الثاني 2025 بعد اتفاقيات أمنية لاستئناف تدفق النفط.
الخليج العربي 2026
بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026:
- قطر للطاقة أبلغت عملاءها بتفعيل القوة القاهرة وإيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال نتيجة هجوم على مرافقها في راس لفان ومسيعيد.
- مؤسسة البترول الكويتية خفضت الإنتاج بنحو 100 ألف برميل يوميًا بعد توترات في الشحن عبر مضيق هرمز.
- بابكو إنرجيز البحرينية أعلنت القوة القاهرة عقب استهداف مجمع تكرير النفط الخاص بها.
انعكاسات القوة القاهرة على الأسواق العالمية
- ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنحو 40% بعد إعلان قطر توقف الإنتاج، فيما ارتفعت الأسعار في أوروبا أكثر من 30%.
- حذّر المسؤولون القطريون من أن إعلان جميع دول الخليج القوة القاهرة قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارًا للبرميل، مع انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمي.
القوة القاهرة كأداة استراتيجية
تؤكد الأحداث الأخيرة أن القوة القاهرة لم تعد مجرد حماية قانونية، بل أداة استراتيجية للدول والشركات في إدارة المخاطر والسيطرة على الأسواق، مع التأكيد على ضرورة وجود ضوابط واضحة ومعايير قانونية دقيقة لتحديد الحالات المسموح فيها تفعيلها، بما يوازن بين حقوق الأطراف المتعاقدة والاستقرار الاقتصادي العالمي.





