هل تتسبب الحرب على إيران بصياغة بديل للنظام الدولي "العاجز"؟

ملخص :
حالة من الاضطراب غير المسبوق منذ عقود، يشهدها النظام الدولي اليوم، تتمثل في تصاعد النزاعات المسلحة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، مع ظهور توجه أمريكي جديد يميل إلى الحزم والانفراد في السياسة الخارجية.
تأتي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي نفذتها واشنطن دون تفويض من الأمم المتحدة أو تنسيق مع حلفائها، كدليل صارخ على هشاشة النظام الدولي وقدرة المؤسسات العالمية على ضبط النزاعات وفرض التوازن بين القوى لضمان العدالة والمساءلة.
فراغ في القيادة العالمية
يطرح هذا المشهد تساؤلاً جوهريًا حول مستقبل القيادة الدولية: هل يواجه العالم فراغًا في السلطة الراشدة يستدعي البحث عن بديل؟ ومن سيكون قادراً وراغباً في ملء هذا الفراغ؟
الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، أكد -في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية- أن حرب إيران تُعد آخر دليل على أن ميثاق الأمم المتحدة "بات حبرًا على ورق"، داعيًا إلى بناء عالم متعدد الأقطاب يحكمه القانون الدولي والديمقراطية، بعيدًا عن احتكار القرار الدولي لدى خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، وفرنسا).
الأزمة تكشف هشاشة المؤسسات الدولية
يشير الرئيس البرازيلي إلى أن كل انتهاك للقانون الدولي يمهد الطريق لانتهاك لاحق، وأن عجز مجلس الأمن عن التعامل مع الأزمات في أفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا، وأوكرانيا، وغزة، وفنزويلا، أدى إلى استباحة المحرمات وكسر الخطوط الحمراء، وتحويل حق النقض "الفيتو" إلى أداة للسيطرة دون أي غطاء شرعي.
وتدعم الدراسات هذا التحليل، فقد أظهرت دراسة نشرتها مجلة لانست الطبية أن العقوبات الاقتصادية المفروضة دون دعم الأمم المتحدة أدت، منذ السبعينيات، إلى وفاة نصف مليون شخص سنويًا في المتوسط، مما يعكس المخاطر الإنسانية للانتهاكات الدولية الأحادية.
تأثير الصراعات على الاقتصاد العالمي
ويلفت لولا دا سيلفا إلى أن النزاعات المسلحة لا تحمي الاقتصادات، بل تؤدي إلى انهيارها، فحرب إيران، على سبيل المثال، أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتقييد التجارة، ونقص الأسمدة، مما رفع أسعار الغذاء وزاد التضخم، وخفض فرص الاستثمار والوظائف.
ويخلص إلى أن "العالم بلا قواعد هو عالم غير آمن"، وأن العنف لا يمكن أن يحل محل الحوار، داعيًا إلى إصلاح شامل للأمم المتحدة لتستعيد دورها في ضبط الأزمات العالمية بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة.
الصين وملء فراغ القيادة
من جانبه، أبرز أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، آدم توز، في مقال له بصحيفة فايننشال تايمز، أن حرب إيران كشفت فوضوية الاستراتيجية الأمريكية، وفشل مؤسساتها في محاسبة قيادتها، مقابل صورة مستقرة للصين تدعمها خططها الخمسية للنمو والتقدم الصناعي وترحيب الشركات العالمية بها.
ويرى المقال أن حتى في حالة الانتظار، فإن تآكل مصداقية الولايات المتحدة وتزايد اعتماد روسيا على الصين يفتح الباب أمام بكين لتصدر موقع القيادة العالمية، عارضا خطة من خمس خطوات يمكن للصين من خلالها تعزيز موقعها القيادي عالميًا:
- دعم الدول المتعثرة ماليًا بفضل فائضها التجاري الكبير.
- تعزيز نفوذها في مضيق هرمز لضمان استقرار الملاحة والطاقة.
- استخدام جزء من احتياطياتها النفطية لضبط أسعار الطاقة بالتعاون مع كبار المنتجين.
- إطلاق مبادرة استثمارية خضراء عالمية لتعزيز الصناعات النظيفة وتنويع مصادر الطاقة للدول النفطية.
- دفع مفاوضات وقف إطلاق النار في أوكرانيا والخليج وربطها بتقييد صادرات المواد الحيوية للأطراف المتحاربة، ما يمارس ضغطًا مباشرًا على القوى الكبرى.
مفترق طرق دولي
تدل هذه التحولات على أن العالم يقف عند مفترق طرق حاسم، بين دعوات الإصلاح وصعود قوى جديدة، ويبقى مستقبل النظام الدولي رهينًا بقدرته على استعادة التوازن بين القوة والشرعية، وأهم اختبار لهذا التوازن يتمثل اليوم في الحرب الإيرانية: إما التفاوض والدبلوماسية، أو اندلاع صراع إقليمي قد تكون عواقبه كارثية.





