خطة ميرتز لعودة 80% من السوريين من ألمانيا.. ماذا يقول الواقع؟
علا القارصلي

ملخص :
خاص- شهدت العاصمة الألمانية برلين في مارس 2026 لقاءً وصف بالتاريخي والتحولي في آن واحد، حيث استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتز الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، ويمثل هذا اللقاء القطيعة الرسمية النهائية مع "سياسة الباب المفتوح" التي انتهجتها المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، في عام 2015، ويؤشر على مرحلة جديدة من "الواقعية السياسية" الخشنة، ميرتز الذي وصل إلى السلطة بوعود متشددة بشأن الهجرة، يسعى اليوم لتحويل الملف السوري من عبء ديموغرافي إلى مشروع "إعادة إعمار" يخدم مصالحه الانتخابية قبل استحقاق عام 2029.
وبحسب ما أوردته "ذا غارديان" حول تصريحات ميرتز المثيرة للجدل، فقد أعلن عن هدف طموح -وربما غير واقعي- يتمثل في عودة نحو 80% من السوريين المسجلين في ألمانيا كـ "مواطنين سوريين" (والبالغ عددهم أكثر من 900 ألف شخص وفقاً لبعض السجلات) إلى وطنهم في غضون ثلاث سنوات، ميرتز عزى هذا الرقم الصادم إلى "رغبة" أبداها الرئيس الشرع نفسه، معتبرًا أن سوريا الجديدة بحاجة إلى سواعد أبنائها، ومع ذلك سرعان ما بدأت التراجعات التكتيكية تظهر، فبينما التزم الشرع الصمت تجاه هذا الرقم الدقيق، اضطر ميرتز في تصريحات لاحقة لصحيفة "بيلد" لوصف الـ 80% بأنها تعبر عن "حجم المهمة" وليس بالضرورة هدفًا إداريًا ملزمًا، في محاولة لامتصاص الغضب السياسي والحقوقي.
يرى مراقبو الشؤون السياسية في برلين أن ميرتز يقوم باستخدام ملف العودة السورية لتحييد النفوذ المتصاعد لليمين المتطرف (AfD) قبل انتخابات 2029، إن الانخفاض الحاد في القادمين الجدد والذي بلغت نسبته 46.5% في عام 2025 (40.000 وافد مقابل 74.600 في 2024)، يشير إلى أن أزمة الدخول قد انحسرت، مما دفع الحكومة لنقل التركيز إلى أزمة الخروج، ومع ذلك، فإن رفع سقف توقعات الناخبين إلى مستوى "إخلاء" 80% من الجالية قد يرتد عكسيًا على ميرتز إذا ما اصطدمت هذه الوعود بالتعقيدات القانونية واللوجستية، مما قد يمنح اليمين المتطرف ذخيرة سياسية جديدة بحجة "فشل الحكومة في التنفيذ".
خريطة اللاجئين والمهن
استناداً إلى أحدث بيانات دائرة الإحصاء الاتحادية الألمانية (Destatis)، فإن الحديث عن ترحيل أو عودة 80% من السوريين يتجاهل حقيقة أن هذه الجالية باتت عمودًا في قطاعات ألمانية حيوية، فالسوريون اليوم يمثلون الفئة الأكثر شبابًا في المجتمع الألماني بمتوسط عمر يبلغ 26.6 عامًا، وهي طاقة حيوية في بلد يشيخ بسرعة.
الكتلة البشرية
- إجمالي السوريين في ألمانيا يبلغ 1.22 مليون شخص.
- الحماية واللجوء: 713 ألفاً يعيشون تحت بند الحماية (22% من إجمالي اللاجئين في ألمانيا).
- الاندماج المهني: 46% من السوريين في سن العمل منخرطون في وظائف رسمية.
- التفوق في التدريب المهني: تظهر البيانات أن 17% من السوريين في الفئة العمرية (15-64) منخرطون في التعليم والتدريب المهني، وهي نسبة تتجاوز المهاجرين الآخرين (11%) وحتى غير المهاجرين (10%).
واقع العمالة السورية
الكتلة الأكبر من السوريين باتت متجذرة في سوق العمل، حيث يحمل 23% منهم مؤهلات أكاديمية ومهنية معتبرة، رغم أن 59% لا يزالون يفتقرون لشهادات معترف بها، مما يمثل تحديًا مزدوجًا لبرلين ودمشق، وتلعب العمالة السورية دورًا استراتيجيًا في قطاعات حيوية داخل الاقتصاد الألماني، حيث يشكل الأطباء السوريون أكبر كتلة من الأطباء الأجانب بعدد يقارب 5745 طبيباً، ما يجعل فقدانهم خطرًا مباشرًا على استمرارية الخدمات الصحية، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني أصلًا من نقص الكوادر، وفي قطاع الرعاية والتمريض يعمل نحو 2000 كادر متخصص، ما يعني أن أي عودة واسعة قد تؤدي إلى تفاقم أزمة رعاية المسنين، أما في قطاع الخدمات العامة فينتشر السوريون في وظائف مثل قيادة الحافلات والأعمال اللوجستية، وهو ما يجعل غيابهم عاملًا محتملًا في تعطيل شبكات النقل والخدمات داخل المدن الكبرى.
خطة مفرغة من محتواها
وفقاً لتحليلات "ذا غارديان" لملف التجنيس، فإن نجاح 83.200 سوري في الحصول على الجنسية في عام 2024 وحده، ووصول الإجمالي إلى قرابة ربع مليون مجنس، يفرغ خطة الـ 80% من محتواها القانوني، هؤلاء "المواطنون الجدد" محصنون دستوريًا من الترحيل، مما يجعل أي خطة عودة جماعية تعتمد حصرًا على الإقناع الطوعي وليس الإكراه الإداري، وفي حين تسعى الحكومة لتسريع ترحيل المدانين جنائيًا (كما حدث في ديسمبر ويناير الماضيين).
قوانين العودة الدولية
بناءً على التقارير الميدانية لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإن الواقع في سوريا يتناقض بشكل صارخ مع الطموحات السياسية في برلين، ورغم أن سقوط النظام فتح "نافذة أمل" أدت إلى عودة أكثر من 3 ملايين سوري (1.2 مليون من دول الجوار و1.9 مليون نازح داخلي)، إلا أن المفوضية تحذر من أن سوريا لا تزال غير جاهزة لاستقبال مليون عائد إضافي من أوروبا وحدها، تحت مجهر "الجهوزية الميدانية" تبرز حقائق مرعبة وثقتها المفوضية:
- الموت الكامن: حصدت الألغام ومخلفات الحرب أرواح 577 شخصًا منذ بداية عام 2025، مما يجعل القرى المدمرة "حقول موت" لا تصلح للسكن الفوري.
- انهيار الخدمات: تفتقر أحياء كاملة لشبكات المياه والكهرباء، ولا تزال المدارس والمستشفيات في حالة دمار شبه كلي في مناطق العودة المفترضة.
- فجوة الاستجابة الدولية: نداء الاستغاثة لعام 2025 بقيمة 1.5 مليار دولار لم يُمول إلا بنسبة 33% فقط، هذا "البخل الدولي" يعني أن العائدين سيواجهون شتاءً قارسًا بلا مأوى أو مساعدات كافية.
مبدأ "عدم الإعادة القسرية"
وتؤكد المفوضية في بياناتها الصادرة من دمشق وجنيف، على مبدأ "عدم الإعادة القسرية"، مشددة على أن العودة يجب أن تكون "طوعية، آمنة، وكريمة"، إن الفجوة بين خطاب ميرتز حول انتهاء حق الحماية والواقع الميداني الذي تصفه المفوضية بـ "السيال والخطير" يضع ألمانيا في مأزق قانوني أمام المحاكم الأوروبية لحقوق الإنسان، خصوصاً مع استمرار النزاعات المحلية في بعض الجيوب السورية.
تأثير اقتصادي مزدوج
وفقًا لجمعية المستشفيات الألمانية وخبراء اقتصاد، فإن تنفيذ خطة ميرتز قد يتحول إلى انتحار اقتصادي لبعض القطاعات الألمانية، وحذرت هنرييت نويمير نائبة رئيس الجمعية، بوضوح من أن رحيل الأطباء السوريين سيكون له تأثير كبير على الرعاية الصحية حيث يعتمد القطاع الطبي الألماني عليهم كأكبر كتلة أجنبية من الأطباء، هذا القلق شاركها فيه رودريش كيسويتر المتحدث باسم السياسة الخارجية في حزب ميرتز (CDU)، الذي وصف أرقام المستشار بأنها إشكالية، محذرًا من أن الاقتصاد الألماني سيواجه تحديًا وجوديًا إذا فقد الكفاءات السورية المندمجة.
وعلى الجانب السوري، تبرز ملامح توتر داخل أروقة السلطة الانتقالية، فبينما يروج الرئيس الشرع للعودة كضرورة وطنية لإعادة الإعمار، أطلق محمد يعقوب العمر مدير الشؤون القنصلية بالخارجية السورية، صرخة تحذير عبر مجلة "فوكوس" الألمانية، مؤكدًا أن العودة الجماعية المتسرعة ستؤدي لـتفاقم الأزمة الإنسانية وإجبار الآلاف على العيش في خيام، وأشار إلى وجود 1.5 مليون شخص يعيشون بالفعل في مخيمات في الشمال، محذرًا من أن سوريا لا تملك القدرة الاستيعابية حاليًا لهجرة عكسية ضخمة.
في المقابل، يتبنى الجناح المتشدد في تحالف ميرتز موقفًا هجوميًا حيث صرح ألكسندر ثروم المتحدث باسم الشؤون الداخلية، بأن سياسة اللجوء الألمانية لا ترسمها رغبات دول المنشأ، مؤكداً أن حق الحماية سقط بسقوط نظام الأسد، وتساءل باستنكار: "من غير السوريين سيعيد بناء بلدهم؟"، وهو خطاب يعكس رغبة برلين في نقل عبء الاستقرار إلى دمشق بأسرع وقت ممكن.





