تصريح قديم لكاتبة مصرية يُثير الجدل على منصات التواصل الاجتماعي في الأردن
تضليل// علا القارصلي

ملخص :
سرعة الانتشار؟
انتشر المنشور بسرعة لافتة، مستفيدًا من حساسية الموضوع ومن الصياغة التي توحي بأن التصريح جديد ويعبّر عن توجه حالي، التعليقات الغاضبة ركّزت على مضمون العنوان فقط، وتم التعامل معه على أنه موقف مستجد يهدف إلى تطبيع سلوكيات مرفوضة اجتماعيًا ودينيًا، بينما غابت أي محاولة للتحقق من تاريخ التصريح أو الظروف التي قيل فيها، وهو نمط متكرر في المحتوى الذي يعتمد على الإثارة لا على المعلومة.
تصريح قديم أُخرج من سياقه
بإجراء بحث عكسي عبر محرك "غوغل"، تبيّن أن التصريح ليس جديدًا، بل يعود إلى نحو ثلاث سنوات في مصر، وقد أُثير حوله في حينه جدل واسع وغضب كبير، لا سيما من رجال الدين والمؤسسات الدينية، خلال تلك الفترة، نُشرت عشرات المواد الإعلامية التي ناقشت التصريح وردّت عليه، ما يؤكد أن إعادة نشره اليوم على أنه مادة راهنة يُعد تضليلًا قائمًا على الاجتزاء الزمني، لا على معلومة خاطئة بالكامل.
ردود الفعل الدينية في وقتها
من أبرز الردود التي ظهرت -آنذاك- تناول عالم أزهري التصريحات المنسوبة إلى نهاد أبو القمصان بأسلوب استنكاري وساخر، متسائلًا عن معنى الزواج إذا لم تكن الزوجة تبيت في بيت زوجها، ومؤكدًا أن الزواج في الإسلام قائم على السكن والمودة والرحمة، كما شدد على أن الادعاء بأن هذا الطرح "شرعي" لا يستند إلى أي دليل من القرآن أو السنة أو إجماع العلماء، متحديًا من يروّج له أن يأتي بآية أو حديث أو قول معتبر يؤيده. واستشهد بحادثة الإفك حين استأذنت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ للذهاب إلى بيت أهلها، معتبرًا ذلك دليلًا على أن الأصل هو استئذان الزوج، وختم حديثه بالتنبيه إلى خطورة التصريحات التي تمس استقرار الأسرة دون علم أو مسؤولية.
الخلفية الأوسع لشخصية نهاد أبو القمصان
لا يمكن قراءة هذا التصريح بمعزل عن الخطاب العام الذي عُرفت به نهاد أبو القمصان، إذ سبق لها قبل نحو ثماني سنوات أن أثارت جدلًا مشابهًا بتصريحات تتعلق بأدوار المرأة داخل الأسرة،
ففي مداخلات سابقة، أكدت أن عقد الزواج في الشريعة الإسلامية هو عقد نكاح قائم على المودة والرحمة وليس عقد خدمة، وأن التعامل مع الزوجة كخادمة ملزمة أسهم في ارتفاع معدلات العنف الزوجي وما يرافقه من أزمات اجتماعية خطيرة، كما استندت إلى قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من المذاهب الأربعة، مشيرة إلى أن الأم غير ملزمة شرعًا بإرضاع أطفالها ولها الحق في أجر على ذلك، واستشهدت بسيرة النبي ﷺ الذي كان "في مهنة أهله"، معتبرة أن الخدمة المنزلية ليست واجبًا حصريًا على المرأة.
وفي وقتها رفض عدد من علماء الأزهر هذا الطرح بشكل قاطع، ومنهم الدكتور عبد المنعم فؤاد، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، الذي اعتبر هذه التصريحات دعوة لخراب البيوت وإشعال صراع داخل الأسرة، واستند في رده إلى حديث "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" معتبرًا أن المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن شؤون بيتها، وأن خدمة المنزل جزء من الدور الذي استقر عليه العرف الإسلامي المستند إلى فعل الصحابيات، مثل السيدة أسماء بنت أبي بكر والسيدة فاطمة رضي الله عنهما، مؤكدًا أن طاعة الزوج لا تقتصر على العلاقة الخاصة، بل تشمل رعاية شؤون البيت والأبناء.
المشكلة الحقيقية
جوهر المشكلة في هذه القضية لا يكمن في الخلاف الفقهي أو الاجتماعي بحد ذاته، بل في طريقة إعادة تدوير تصريح قديم، واقتطاعه من سياقه الزمني والفكري، وتقديمه للجمهور على أنه مادة جديدة.
العنوان المتداول لم يذكر أن التصريح يعود إلى سنوات سابقة، ولم يشر إلى الجدل الذي أُثير حوله أو الردود الدينية التي واجهته، بل اكتفى بجملة صادمة صُمّمت لإشعال الغضب وجذب التفاعل، وهو أسلوب شائع في المحتوى الذي يسعى للترند على حساب الدقة.
تكشف هذه الحالة كيف يمكن لبعض الأفراد أو الوسائل الإعلامية أن تلجأ إلى نشر تصريحات مثيرة للجدل إما بقصد صناعة التفاعل، أو نتيجة جهل مهني بمعايير النشر المسؤول، في حين يجد الجمهور نفسه منخرطًا في موجة غضب مبنية على معلومة ناقصة أو مجتزأة، وهنا يتلاقى ضعف التحقق مع هشاشة الثقافة الإعلامية المجتمعية، فينتج تضليل لا يحتاج إلى كذب صريح، بل يكتفي بإخفاء السياق.
كيف عكست القصة معنى التضليل؟
قصة تصريح نهاد أبو القمصان مثال واضح على أن التضليل لا يكون دائمًا عبر اختلاق المعلومات، بل غالبًا عبر إعادة إحياء تصريحات قديمة وتقديمها خارج زمانها وسياقها.
وبين عنوان مثير، وانتشار سريع، وغضب مجتمعي، ضاعت الحقيقة الأساسية: أن ما جرى تداوله ليس جديدًا، وأن النقاش حوله قد حُسم إعلاميًا ودينيًا منذ سنوات، من هنا، تبرز أهمية التحقق ا ونشر ثقافة التربية الإعلامية، حتى لا يبقى الرأي العام أسير عناوين مجتزأة تُستخدم كلما احتاج "لترند" إلى شرارة جديدة.





