كيف تصنع السوشيل ميديا ما نأكله؟

ملخص :
في العقد الأخير، تحوّل الطعام من مجرد ضرورة يومية إلى محتوى رقمي منتشر بقوة على منصات مثل إنستغرام وتيك توك، لم يعد المستخدم يبحث فقط عن وصفة على كتاب مطبخ أو يطلب نصيحة من العائلة، بل أصبحت الشاشة هي الدليل الأول في اختيار الوجبة وطرق تحضيرها، بل وحتى تحديد ما إذا كان الغذاء صحيًا أو غير صحي، هذه الظاهرة لم تعد محصورة في فئة عمرية بعينها؛ بل امتدت خصوصًا بين الشباب، الذين يعتمدون بشكل كبير على المحتوى الرقمي للحصول على أفكار غذائية وغالبًا يأخذون توصيات مباشرة مما يُسمّى الطهاة المؤثرين أو الـ Food Influencers.
بالتزامن مع هذا الانتشار الرقمي، تواجه الصحة العامة تحديات جديدة تتعلق بتغيير العادات الغذائية، انتشار المعلومات المضلّلة عن الأنظمة الغذائية، وتأثير صورة الجسد على الصحة النفسية، لهذا فإن فهم هذا التأثير الرقمي وإدراك مخاطره وفوائده أصبح مطلبًا ضروريًا لصانعي السياسات، المهتمين بالصحة العامة، والمستهلكين على حد سواء.
انتشار محتوى الطعام على منصات التواصل
مع ارتفاع استخدام منصات مثل تيك توك وإنستغرام، بات 72% من "جيل زد" يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي لإلهام وجباتهم اليومية، مقارنة بالمصادر التقليدية مثل كتب الطبخ أو آراء العائلة.
ويعكس هذا التوجه تحولًا ثقافيًا في كيفية اكتشاف الناس للأطعمة ووصفات الطبخ، إذ تؤثر الفيديوهات القصيرة والتصميمات البصرية الجذابة بقوة على قرارات الأكل اليومية، وتُبرِز الميزات البصرية السريعة في هذه المنصات وجبات معينة وتدفع المستخدمين لتجربتها، الأمر الذي يضع منصات التواصل في مركز صناعة التفضيلات الغذائية.
دور المؤثرين في تشكيل العادات الغذائية
بات المؤثرون الرقميون يلعبون دورًا بارزًا في تحديد ما يصنعه الناس في مطابخهم، بل بعض الدراسات أظهرت أن متابعة هؤلاء تزيد من احتمالية تأثير وسائل التواصل على سلوكيات الأكل، في دراسة بالسعودية مثلاً، تبين أن من يتابعون مؤثرين عبر الشبكات أكثر عرضة أن تتأثر عاداتهم الغذائية مقارنة بمن لا يتابعونهم.
هذا لا يقتصر على وصفات الطعام فقط، بل يشمل أيضًا معلومات عن التخسيس والأنظمة الغذائية، وللأسف، كثير من النصائح غير المستندة إلى دليل علمي قد تكون ضارة عندما تتعلق بفقدان الوزن بسرعة أو أنظمة غذائية قاسية.
الإيجابيات المحتملة
لا يمكن إنكار أن منصات التواصل يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات، فالمستخدم الذي يرى وصفات صحية مُقدمة بشكل جذاب قد يتشجع لتجربة أكلات أكثر صحية، مثل زيادة استهلاك الخضار أو تقليل السكريات، وتشير بعض الدراسات إلى أن محتوى التغذية الجيد يمكن أن يشجع على تبني خيارات غذائية أفضل.
علاوة على ذلك، المحتوى الغذائي الذي يعتمد على مصادر علمية أو على أخصائيين معتمدين يمكن أن يكون أداة تعليمية ممتازة للمستهلكين في عالم يزداد فيه الطلب على معلومات صحية موثوقة.
المخاطر الصحية والنفسية
لكن هناك جانب مظلم لهذا التأثير الرقمي، إذ أن التعرض المتكرر لمحتوى الطعام غير الصحي، أو ما يتعلق بصورة الجسد المثالية، قد يدفع الناس وخاصة الفتيات والشباب نحو تبنّي عادات غذائية غير سليمة أو حتى اضطرابات الأكل، وتربط دراسات علمية بين متابعة محتوى التغذية على إنستغرام وزيادة أعراض اضطرابات الأكل وعدم الرضا عن الجسم.
كما أن بعض الدراسات تربط زيادة التعرض لأفكار الدايت الضار والنمط الغذائي المتطرف بزيادة دخول المستشفيات بسبب مشاكل اضطرابات الأكل لدى الأطفال والمراهقين، ما يشير إلى وجود تحديات نفسية وصحية حقيقية مرتبطة بهذا النوع من المحتوى.
ماذا تقول منظمة الصحة العالمية؟
رغم أن منظمة الصحة العالمية (WHO) لا تنشر تقارير متخصصة حول مؤثرين الطعام تحديدًا، إلا أن لها تقارير أساسية عن العادات الغذائية الصحية وأهميتها للصحة العامة، على سبيل المثال، تؤكد أن النظام الغذائي الصحي يجب أن يشمل كميات كافية من الفواكه والخضروات، والحد من السكريات الحرة لأقل من 10% من إجمالي الطاقة اليومية.
كما تسلط منظمة الصحة الضوء على أن المعلومات الغذائية غير الدقيقة أو المضلّلة يمكن أن تضر بصحة الأفراد، خاصة إذا أدّت إلى أنماط أكل غير صحية أو نقص في العناصر الغذائية الأساسية، وفي السياق الأوسع، تحذر من مخاطر نمط الحياة غير الصحي وتروج لسياسات تضمن بيئة غذائية أفضل للمجتمعات.
التوازن المطلوب
من المهم جدًا للمستهلك أن يوازن بين الاستلهام الإيجابي والتحقق العلمي، فاتباع أنظمة غذائية مبنية على مؤثر ليس كافيًا دون الرجوع إلى مصادر موثوقة مثل توصيات منظمة الصحة العالمية أو أخصائي تغذية معتمد.
كما يلعب دور المنصات نفسها بتحسين خوارزميات عرض المحتوى لجعله أكثر مسؤولية وصحة، بالإضافة إلى التشجيع على المحتوى الذي يستند إلى العلم الحقيقي وليس فقط الجذب البصري أو التحديات غير الصحية.
في النهاية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والطهاة المؤثرين قوة لا يمكن تجاهلها في تشكيل عاداتنا الغذائية، فهي أداة قوية يمكن أن تساهم في نشر الوعي الغذائي الصحيح، أو على العكس قد تروّج لمعلومات مضلّلة تؤثر سلبًا على صحة الأفراد، خصوصًا الشباب والمراهقين.
والتحدي الحقيقي يكمن في الموازنة بين الترفيه والمسؤولية، ويجب أن يكون المستهلك واعيًا ومتحققًا من المعلومات التي يتلقاها، وأن يلجأ دائمًا إلى المصادر العلمية الموثوقة مثل توصيات منظمة الصحة العالمية وأخصائيي التغذية المعتمدين، بهذه الطريقة يمكننا أن نحصل على فوائد هذا العالم الرقمي الغني بالمحتوى، من غير أن نُعرّض صحتنا للخطر.





