لماذا يعجز الشباب الأردني عن تكوين أسرة؟

ملخص :
في مقابلة ميدانية أجريت مع محمد، شاب أردني يبلغ من العمر 29 عامًا، يعمل منذ سبع سنوات في القطاع الخاص، بدا الحديث بإن الزواج بالنسبة له أقرب إلى الحلم المؤجل منه إلى خطة قريبة التنفيذ، يقول محمد "أنا مش رافض فكرة الزواج، بالعكس، بس الواقع ما بيساعد، راتبي بالكاد بغطّي الإيجار والمواصلات، لما أحسبها، بلاقي إن الزواج بدّه سنوات إضافية من التعب"، حديث محمد لا يمثّل حالة فردية، بل يعكس واقع شريحة واسعة من الشباب الأردني، حيث لم يعد الزواج قرارًا شخصيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة الاقتصادية، وبمدى تحمّل أعباء اجتماعية ومالية متزايدة.
تراجع الزواج بالأرقام الرسمية
بحسب التقارير السنوية الصادرة عن دائرة قاضي القضاة في الأردن، سجّلت السنوات الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في عدد عقود الزواج مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما ربطته الدائرة بعوامل اقتصادية واجتماعية متداخلة.
كما تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية إلى ارتفاع متوسط سن الزواج الأول، حيث تجاوز متوسط سن الزواج للذكور 31 عامًا، وللإناث 26 عامًا، مقارنة بعقود سابقة كان فيها الزواج يتم في سن أصغر.
وتؤكد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان- مكتب الأردن (UNFPA) أن نسبة غير المتزوجين ضمن الفئة العمرية (15–49) ما تزال مرتفعة، خاصة بين الذكور، وهو مؤشر ديمغرافي له آثار اجتماعية بعيدة المدى.
الدخل مقابل الزواج
بحسب تقارير صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، لا يزال متوسط الأجور في الأردن محدودًا مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا في المدن الكبرى، في المقابل، تشير تقديرات خبراء اجتماعيين واقتصاديين إلى أن تكلفة الزواج الأساسية (مهر، ذهب، سكن، أثاث، حفل) قد تصل إلى عشرات آلاف الدنانير، حتى دون مظاهر مبالغ فيها.
هذا التفاوت بين الدخل والتكلفة يجعل الزواج مشروعًا طويل الأمد يحتاج إلى ادخار لسنوات، وهو ما لا يتناسب مع واقع الشباب العاملين برواتب ثابتة أو غير مستقرة.
مقابلة ميدانية: شهادة من الواقع
خلال المقابلة، سألنا الشاب محمد: هل تشعر أن الزواج أصبح خارجقدرتك؟
أجاب بصراحة "نعم مش لأنّي ما بدي، لكن لأنّي مش قادر.. المجتمع بتوقع منك بيت مستقل، فرش كامل، مهر، وعرس، حتى لو الطرف الثاني متفاهم، في ضغط من الأهل والعادات"، مضيفا "أحيانًا بحس إن الزواج صار امتياز للي معه مال، مش حق طبيعي لكل شاب شغال."
شهادة محمد تكشف بوضوح كيف أصبح الزواج مرتبطًا بالقدرة المالية والدعم العائلي، وليس فقط بالاستعداد النفسي أو الرغبة.
العوامل الاجتماعية
بحسب دراسات اجتماعية صادرة عن باحثين في الجامعة الأردنية ومراكز دراسات محلية، فإن التوقعات الاجتماعية المرتفعة تلعب دورًا رئيسيًا في تأخير الزواج، فالمظاهر، ونمط الحياة الذي يُروَّج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يرفع سقف التوقعات لدى الأسر.
كما تشير تقارير إعلامية تحليلية صادرة عن صحيفة The Jordan Times إلى أن تغير أنماط الحياة، وارتفاع مستوى الاستهلاك، جعلا الزواج أكثر كلفة من الناحية الاجتماعية، حتى في الحالات التي يرغب فيها الطرفان بالتبسيط.
الآثار النفسية لتأجيل الزواج
بحسب تقارير صادرة عن مختصين نفسيين نُشرت في وسائل إعلام أردنية محلية، فإن تأجيل الزواج لفترات طويلة قد ينعكس على الصحة النفسية للشباب، من حيث الشعور بعدم الاستقرار، والقلق من المستقبل، والإحباط الاجتماعي، ويشير مختصون إلى أن المشكلة لا تكمن في تأخير الزواج بحد ذاته، بل في كونه تأخيرًا قسريًا ناتجًا عن العجز الاقتصادي، وليس خيارًا واعيًا.
هل تغيرت نظرة الشباب للزواج؟
بحسب تحليلات اجتماعية صادرة عن مراكز بحث محلية، فإن جزءًا من الشباب بدأ يعيد تعريف فكرة الزواج، معتبرًا الاستقرار الاقتصادي شرطًا أساسيًا قبل الإقدام عليه، هذا التحول يعكس وعيًا جديدًا، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على عمق الأزمة الاقتصادية.
أزمة بنيوية تتجاوز الحلول السطحية
لا يمكن التعامل مع عجز الشباب عن الزواج في الأردن بوصفه مشكلة فردية تُحل بالنصائح أو المبادرات المؤقتة، بل هو أزمة بنيوية مرتبطة بالاقتصاد وسوق العمل ونمط الحياة، بحسب تحليلات اقتصادية واجتماعية صادرة عن خبراء وباحثين محليين نُشرت في وسائل إعلام أردنية ومراكز دراسات، فإن الخلل الأساسي يكمن في الفجوة المتزايدة بين دخل الشباب ومتطلبات الاستقرار، حيث لم تعد الرواتب تواكب ارتفاع أسعار السكن، ولا تكاليف المعيشة، ولا حتى الحد الأدنى من متطلبات الزواج، ويؤكد مختصون أن استمرار هذه الفجوة يعني أن الزواج سيبقى خارج القدرة الواقعية لشريحة واسعة من الشباب، ما لم تُعالج جذور المشكلة، وعلى رأسها ضعف الأجور، غياب سياسات إسكان ميسرة، وتحميل الزواج أعباء اجتماعية تفوق طاقته الطبيعية، في هذا السياق، يرى خبراء أن أي حديث عن حلول دون معالجة هذه العوامل سيبقى مجرد توصيف للأزمة لا أكثر، بينما المطلوب هو إعادة النظر في النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي يُدفع فيه الشاب لتحمل مسؤوليات تفوق قدرته منذ بداية حياته الزوجية.
بين الأرقام الرسمية، والضغوط الاجتماعية، وشهادات الشباب، يتضح أن أزمة الزواج في الأردن لم تعد مسألة رغبة، بل مسألة قدرة، ومع استمرار الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيبقى الزواج حلمًا مؤجلًا لجيل كامل، أم أن المجتمع والجهات الرسمية قادرون على إعادة هذا الاستحقاق إلى متناول الشباب؟





