"الفدائي" منتخب يتدرّب تحت النار ويصنع التاريخ.. كرة القدم الفلسطينية في زمن الحرب

ملخص :
في معظم دول العالم، تُقاس قوة المنتخبات بعدد ملاعبها، واستقرار معسكراتها، ورفاهية لاعبيها، أما في فلسطين، فالمعادلة مختلفة تمامًا، هنا، تتحول كرة القدم إلى فعل بقاء، ويصبح كل تدريب تحديًا، وكل مباراة رسالة، وكل هدف شهادة على أن الحياة لا تزال ممكنة وسط الحرب.
المنتخب الفلسطيني، الملقب بـ "الفدائي"، لا يلعب فقط من أجل الفوز، بل من أجل الهوية والوجود، في قصة تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة والإنسانية.
منتخب بلا ملعب وبلا استقرار
منذ انضمامه إلى الاتحادين الدولي والآسيوي عام 1998، يخوض المنتخب الفلسطيني رحلته في ظروف استثنائية، فلا ملعب بيتي ثابت يحتضنه، ولا بنية تحتية مستقرة تسمح بإعداد طبيعي، الحروب المتكررة، والقيود المفروضة على الحركة، وتدمير المنشآت الرياضية، جعلت من إقامة تدريبات منتظمة داخل فلسطين مهمة شبه مستحيلة.
كثير من الملاعب تحولت إلى ركام، وأخرى خرجت عن الخدمة، فيما اضطر اللاعبون للتدرب في ساحات مدارس أو ملاعب ترابية، وسط نقص في المعدات والإمكانات، وفي أحيان كثيرة، كان اللاعب يتدرّب وهو لا يعلم إن كان سيتمكن من العودة إلى المكان ذاته في اليوم التالي.
التنقل.. معركة تسبق صافرة الحكم
لا تبدأ معاناة المنتخب الفلسطيني مع صافرة البداية، بل قبلها بساعات وأيام، فالتنقّل بين المدن، أو الخروج من فلسطين للالتحاق بالمعسكرات الخارجية، رحلة محفوفة بالحواجز والإغلاقات والتصاريح، بعض اللاعبين يُمنعون من السفر، وآخرون يتأخرون عن الالتحاق بزملائهم، ما يؤثر على الانسجام والاستعداد الفني.
أما لاعبو قطاع غزة، فغالبًا ما يكونون معزولين تمامًا، غير قادرين على الالتحاق بالمنتخب، ليبقى حلم ارتداء القميص الوطني معلقًا بقرار عبور أو فتح معبر.
التدريب خارج الوطن.. منتخب منفي مؤقتاً
بسبب هذه الظروف، أصبحت المعسكرات الخارجية خيارًا إجباريًا لا رفاهية، ويقيم المنتخب الفلسطيني معسكراته في دول عربية مختلفة، من بينها الأردن وقطر والسعودية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الاستعداد.
لكن التدريب خارج الوطن لا يعني فقط الغياب عن الأرض، بل فقدان الإحساس بالبيت، والاعتماد على فترات إعداد قصيرة، وعدم اكتمال الصفوف إلا قبل أيام قليلة من المباريات الرسمية.
اللاعب بين الواجب الوطني والفقد الشخصي
ما يجعل قصة المنتخب الفلسطيني أكثر قسوة هو أن المعاناة لا تتوقف عند الجوانب اللوجستية، كثير من اللاعبين دخلوا البطولات وهم يحملون جراحًا شخصية عميقة، فقد بعضهم أقارب وأصدقاء تحت القصف، وآخرون فقدوا منازلهم، فيما ظل القلق على العائلة حاضرًا في كل لحظة.
رغم ذلك، حين يحين موعد المباراة، يرتدي اللاعب قميص المنتخب ويقف للنشيد، محاولًا فصل الألم عن الواجب، في واحدة من أقسى التجارب النفسية التي يمكن أن يعيشها لاعب كرة قدم.
كأس العرب.. حضور عربي رغم الصعوبات
في كأس العرب الاخيرة التي أُقيمت في قطر، ظهر المنتخب الفلسطيني مجددًا في محفل عربي جامع، رغم قصر فترة الإعداد وصعوبة الظروف، دخل البطولة بصفوف غير مكتملة، وبانسجام محدود، لكنه قدّم صورة تعكس شخصيته القتالية.
لم تكن المشاركة مجرد نتائج، بل تأكيدًا على أن فلسطين حاضرة في الوجدان العربي، وأن المنتخب، حتى حين يغادر البطولة مبكرًا، يخرج مرفوع الرأس، بعدما حمل رسالته أمام جماهير عربية احتضنته بالهتاف والدعم.
الإنجاز الأكبر: كتابة التاريخ في كأس آسيا
بلغت مسيرة التحدي ذروتها في كأس آسيا الأخيرة في قطر، حين حقق المنتخب الفلسطيني إنجازًا تاريخيًا بالتأهل الى دور الـ 16 للمرة الأولى في تاريخه، في بطولة دخلها وسط ظروف نفسية وإنسانية قاسية، نجح الفدائي في تجاوز دور المجموعات، مسجلًا أول فوز آسيوي له في تاريخ البطولة، ليحفر اسمه بين المنتخبات المتأهلة إلى الأدوار الإقصائية.
اسلوب لعب يعكس الواقع
على أرض الملعب، يلعب المنتخب الفلسطيني بأسلوب يشبه واقعه:
• دفاع منظم
• التزام تكتيكي
• اعتماد على الروح الجماعية
• قتال حتى الدقيقة الأخيرة
الوطن.. جمهور ومدرجات
في كل مباراة خارجية، يتحول المدرج إلى وطن مؤقت، الجماهير الفلسطينية والعربية تملأ المدرجات بالأعلام والهتافات، لتعوض غياب الأرض، هذا الدعم الجماهيري يمنح اللاعبين دفعة معنوية هائلة، ويؤكد أن المنتخب لا يلعب وحيدًا، بل باسم شعب كامل.
المنتخب الفلسطيني ليس مجرد فريق كرة قدم، إنه حكاية وطن يُحاصر لكنه لا يستسلم، ورسالة بأن الرياضة قادرة على أن تكون صوتًا حين يصمت العالم.. في كل تدريب تحت القصف، وفي كل مباراة خارج الأرض، وفي كل إنجاز يُكتب رغم الألم، يثبت الفدائي أن الحلم الفلسطيني لا يمكن إيقافه، وأن الكرة قد تكون أحيانًا أقوى من الحرب.





