ماذا يقدم اليسار والمركز الإسرائيلي لمرحلة ما بعد الحرب؟ لا شيء

موسم الانتخابات يقترب، وفي معسكر "فقط ليس بيبي" تسود أجواء الانفعال والتأثر استعدادًا لتتويج نفتالي بينت زعيمًا جديدًا للمعسكر، لموجهة بنيامين نتنياهو في المعركة الحاسمة الفاصلة. كل الذين خابت آمالهم من بيني غانتس، يئير لبيد، جادي آيزنكوت وجدعون ساعر، يعقدون الآن آمالهم على قائد "حكومة التغيير" الفاشل الذي يخطط للعودة (رفيف دروكر، "ماذا ينتظر بينت؟"، هآرتس، أمس). يُنتظَر من زعيم اليمين المتطرف سابقًا نقل أصوات من معسكر بنيامين نتنياهو إلى ما أُطلق عليه ذات مرة "معسكر الوسط ـ اليسار" وإرسال نتنياهو إلى بيته، مرة وإلى الأبد.
في الماضي، تمكن بينت فمن مناورة نتنياهو والوقوف ضده بنجاح. فهو يمتلك قدرة مثبَتة على التركيز على الهدف، التقرب ممن حوله وكسب ودّهم، وإطلاق شعارات جذابة وسهلة الاستيعاب. كان منها، لمن نسي، "نتوقف عن الاعتذار"، "يخافون من الرئيس النيابة العسكرية أكثر من السنوار"، "بينت سيهزم حماس، شاكيد ستهزم المحكمة العليا". والأهمّ، أنه لم يكن أحد المسؤولين المباشرين عن كارثة السابع من تشرين الأول 2023. إلاّ أنّ مهمته هذه المرة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في دورته السابقة ضد نتنياهو.
مشكلة بينت الأولى، وكذلك مشكلة معسكر "فقط ليس بيبي" عمومًا، سوف تتمثل في السحب الزائد الذي عانى منه عشرات آلاف الأشخاص الذين رحلوا من البلاد قبل الحرب وخلالها. تُنسَب "هجرة الثمانين ألفًا" إلى معارضي نتنياهو وخصومه الذين سئموا حكمَه والأضرار الجسيمة التي ألحقها بدولة إسرائيل. ولن يسارع هؤلاء إلى العودة إلى البلاد أو إلى القفز للتصويت فقط، عبر الرحلات الجوية بأسعار باهظة في شركة "إل عال". هذا إغراء لنتنياهو لكي يبادر إلى إجراء انتخابات سريعة جدًا، بينما تتوقف مقاعد غالبية الثمن من المعارضة في تايلاند، اليونان والبرتغال.
المشكلة الثانية هي أكثر حدة وتعقيدًا حتى، وهي تتمثل في الافتقار إلى رسالة محدَّدة وواضحة. ذلك أن معارضي نتنياهو يطرحون اليوم مطلبين جديرين، هما إعادة المخطوفين في قطاع غزة وتعيين لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 تشرين الأول 2023. ينطلق كلا هذين المطلبين من الحنين إلى العالَم القديم الذي سبق هجوم حماس. وماذا بعد؟ إلى أين تسير الدولة بعد إرجاع المخطوفين، مع لجنة تحقيق أو بدونها؟
الجواب لدى "معسكر بيبي" واضح: العرب نازيون، الترانسفير هو الحل الوحيد، وترامب معنا. تحظى قائمة الرسائل هذه بشعبية واسعة جدًا بين الجمهور اليهودي، وهي تنطلق من كل حلقة تلفزيونية. ويعززها نتنياهو نفسه من خلال تعهداته بحرب أبدية وبتوسيع حدود الدولة، ويركب ـ في طريقه نحو صناديق الاقتراع ـ على موجة تعمّق واتساع توجهات التعصب الديني والقومي في صفوف الجيش الإسرائيلي، في الثقافة العامة السائدة وبين المخطوفين الذين عادوا من الأسر.
وفي المقابل؟ لا شيء. يئير جولان ("الطريق الوحيدة للقضاء على حماس"، هآرتس أمس) يعرض نموذجًا مركّبًا لإدارة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب. إذا كان فهمي صحيحًا، فإن جولان يقترح احتلالًا إسرائيليًا متواصلًا، طويل الأمد، في قطاع غزة ("رقابة عملانية صارمة") ثم تسليمه، بأجزاء وعلى مراحل، إلى "سلطة فلسطينية معتدلة". مسكينٌ كاتب النصوص الذي سيتوجب عليه أن يستخلص من هذا الحشو الفارغ شعارًا للحملة الانتخابية. من الأجدر به البحث في "أليس في بلاد العجائب". مثل رفاقه في هذا المعسكر، كذلك يئير جولان أيضًا، قائد بقايا اليسار، يهرب بكل قوته وبأقصى ما يمكنه من عبارة "دولة فلسطينية" أو "السلطة الفلسطينية" حتى. خسارة، لأن اليمين سيبدو ويُسمَع، دائمًا، أكثر إقناعًا منه في مقترحاته بشأن الاحتلال، التدمير والتهجير.
تكمن مأساة اليسار والوسط في الافتقار إلى مرشحين يستطيعون العودة إلى القاعدة الفكرية التي يقوم عليها المعسكر الليبرالي: تقسيم البلاد إلى دولتين كأساس لأية تسوية سلمية إقليمية، والمساواة التامة بين الإسرائيليين من جميع الشعوب. صحيح أن هذه ليست سلعة سهلة التسويق في أعقاب 7 تشرين الأول 2023، لكن هذه هي الرسالة المتماسكة والعادلة التي تقدم بديلًا فكريًا وقيميًّا للتطهير العِرقي الذي يقترحه "معسكر بيبي". وإلى أن يتجرأ شخص ما على قول كلمة "سلام" بدون تقديم أي اعتذار، سنبقى مع اليمين ـ بدون ـ بيبي الذي يقترحه ويمثله بينت. ربما كان الترانسفير معه أكثر سهولة على الانزلاق في الحَلْق.