الشرق الأوسط على حافة التصعيد: ماذا تعني ضربة عسكرية لإيران؟
أي تصعيد عسكري كبير ضد إيران قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة – مما يؤثر على أمن المنطقة، واقتصاداتها، وتحالفاتها الإقليمية، بل وعلى مستقبل جيل كامل من الشباب.
خلفية التوترات الحالية
على مدى سنوات، تواصل التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بسبب طموحات طهران النووية. انسحب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب من الاتفاق النووي لعام 2015 وانتهج سياسة “الضغوط القصوى”، ما أدى إلى تصعيد حاد في المواقف. بحلول عام 2025، ومع وصول برنامج إيران النووي إلى مستويات تخصيب عالية، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ارتفاع مخزون اليورانيوم المخصب بشكل غير مسبوق – إذ صرّح مديرها بأن إيران باتت الدولة الوحيدة غير النووية التي تخصّب اليورانيوم بهذا المستوى الخطير. تشير بعض التقديرات إلى أن طهران قد تكون على بعد أسابيع فقط من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي قابل للاستخدام، ما دق ناقوس الخطر في واشنطن وتل أبيب.
تبنّى ترمب (في فترته الرئاسية الثانية) نبرة حادة تجاه إيران، متوعدًا بـ“قصف لم يشهدوا مثله من قبل” إذا لم توافق طهران على اتفاق جديد. في الوقت نفسه، كثّفت إسرائيل ضغوطها وتحركاتها السرية ضد إيران. وبحسب تقارير إعلامية غربية، استغلّت إسرائيل فترة وجود ترمب في البيت الأبيض كـ“أفضل لحظة” للتعامل عسكريًا مع إيران. وقد شهد عام 2024 تبادل ضربات بين الطرفين؛ حيث نفّذت إسرائيل عمليات سرية ضد أهداف إيرانية وحلفائها (كضربات ضد الدفاعات الجوية في سوريا والعراق واليمن)، فيما ردّت إيران بهجمات صاروخية مباشرة غير مسبوقة على أهداف إسرائيلية. هذا التصعيد المتبادل وضع المنطقة بأسرها في حالة تأهب، خاصة مع حرب غزة التي اندلعت مجددًا وامتداد التوتر إلى لبنان. أما السعودية ودول الخليج فقد وجدت نفسها أمام معضلة: من جهة تشعر بقلق عميق من النشاطات الإيرانية (النووية والصاروخية ودعم الميليشيات)؛ ومن جهة أخرى تخشى أن تؤدي أي مواجهة مفتوحة إلى فوضى إقليمية تضرب أمنها واقتصادها. ورغم عداء الرياض التاريخي مع طهران، شهد عام 2023 بوادر تقارب سعودي-إيراني برعاية صينية، أدت إلى إعادة فتح السفارات وتخفيف حدة الخطاب بينهما. هذا التقارب الهش سيشكل خلفية حاسمة لأي تصعيد جديد.
السيناريوهات المحتملة للضربة العسكرية
كيف يمكن أن يحدث الهجوم؟ السيناريو الأكثر تداولًا هو قيام إسرائيل بشن ضربة جوية مفاجئة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، إما بشكل أحادي أو بدعم لوجستي أمريكي. وهناك أيضًا احتمال عملية مشتركة أميركية-إسرائيلية واسعة النطاق، تشمل ضربات مكثفة بصواريخ كروز وطائرات شبح تستهدف البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية. في كلتا الحالتين، ستكون الأهداف الرئيسية هي منشآت التخصيب (مثل موقع فوردو تحت الأرض) ومواقع الصواريخ الباليستية ومقار القيادة الإيرانية. يراهن مؤيدو هذا الخيار على أنه سيؤخر برنامج إيران النووي لسنوات وربما يدفع النظام إلى التراجع وإبرام اتفاق نووي بشروط جديدة. في المقابل، يجادل معارضو الضربة بأنها قد تدفع إيران للإسراع سرًا نحو صناعة قنبلة نووية كـ”ضمان وحيد لبقاء النظام” في مواجهة أي هجوم مستقبلي.
سيناريو آخر محتمل هو ضربة أمريكية محدودة التركيز، ربما عبر صواريخ بعيدة المدى وقاذفات استراتيجية تُطلق من قواعد في المنطقة أو من حاملات الطائرات. مثل هذه الضربة “الجراحية” قد تستهدف منشآت نووية بعينها دون الانخراط في حرب شاملة. لكن حتى عملية محدودة كهذه تنطوي على مخاطر التصعيد. فقد ترد إيران باستهداف القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج (في البحرين وقطر والكويت وغيرها)، مما سيدفع واشنطن إلى تدخل أعمق. كما أن العمليات السيبرانية هي جزء من السيناريوهات؛ إذ قد تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل شلّ أنظمة الدفاع الإيرانية إلكترونيًا قبل الهجوم، بينما قد ترد إيران بهجمات إلكترونية على بنى تحتية حيوية في إسرائيل أو حتى دول الخليج.
من ناحية أخرى، يبرز احتمال توجيه الضربة في إطار تحالف أوسع يضم دولًا أوروبية أو عربية. لكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفًا لعام 2025، إذ أن القوى الأوروبية تفضل الدبلوماسية ولمّ الشمل حول اتفاق نووي بدلًا من الحرب. أما دول الخليج، فرغم عدائها لسياسات إيران، فإنها متوجسة من المشاركة المباشرة في أي عمل عسكري خوفًا من الانتقام الإيراني على أراضيها. وبالتالي يرجح أن أي ضربة ستنفذها واشنطن أو تل أبيب (أو كلتاهما) بشكل شبه منفرد مع دعم لوجستي استخباراتي من حلفاء مقربين.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
إيران وحلفاؤها: لن تقف طهران مكتوفة الأيدي. فور أي هجوم، من شبه المؤكد أن إيران سترد عسكريًا في عدة اتجاهات. قد تطلق وابلًا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تجاه أهداف في إسرائيل، بما في ذلك مدن رئيسية أو منشآت استراتيجية، على غرار ما فعلته باستهداف قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق عام 2020. كما قد تستهدف القواعد الأمريكية في الخليج بصواريخ كروز أو طائرات مسيّرة انطلاقًا من إيران أو عبر حلفائها (مثل الميليشيات العراقية). حزب الله في لبنان مرشح أيضًا لدخول المعركة، بإطلاق آلاف الصواريخ نحو إسرائيل فتحًا لجبهة شمالية شرسة، خاصة إذا تعرضت إيران لضربة موجعة. وعلى الجبهة الجنوبية لإسرائيل.
دوليًا، ستحظى الأزمة باهتمام عالمي فوري. واشنطن بالطبع ستكون في قلب الحدث (إن لم تكن هي من بدأته). إن كانت الضربة إسرائيلية أحادية، فقد تحاول الإدارة الأمريكية ضبط النفس لدى جميع الأطراف لمنع اندلاع حرب أوسع، بينما تؤكد في الوقت نفسه على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ومنع انتشار الأسلحة النووية. روسيا والصين على الأرجح ستدينان أي عمل عسكري ضد إيران، نظرًا لعلاقاتهما المتينة مع طهران ومصلحتهما في إضعاف النفوذ الأمريكي بالمنطقة. قد تلجأ موسكو وبكين إلى مجلس الأمن لمحاولة كبح التحرك العسكري، لكن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (في حال كانت هي أو حليفها من نفذ الضربة). أوروبا ستكون في موقف حرج: فهي لا تريد إيران نووية، لكنها تعارض الحرب أيضًا. سنسمع دعوات أوروبية مكثفة للعودة إلى طاولة المفاوضات فورًا واحتواء الموقف. أما الدول الآسيوية المستوردة للنفط (كالهند واليابان وكوريا)، فسيرتبط رد فعلها بمخاوفها الاقتصادية؛ من المتوقع أن تعرب عن قلقها العميق بشأن استقرار إمدادات الطاقة ودعوتها لضبط النفس
على الصعيد الشعبي، سيكون هناك غضب في الشارع العربي والإسلامي. سوف تخرج مظاهرات في عدة دول تندد بـ“العدوان” على دولة إسلامية. هذا الضغط الشعبي سيصعّب على حكومات المنطقة تبرير أي تأييد أو مشاركة في الهجوم. كذلك قد يؤدي الغضب الشعبي إلى اضطرابات داخلية في دول هشة أمنيًا واقتصاديًا، إذا ما ارتفعت أسعار المعيشة (بسبب أزمة النفط) وتراجعت الثقة بالمستقبل.
التأثير على سوق النفط والطاقة
أي مواجهة عسكرية مع إيران تعني صدمة فورية لأسواق الطاقة العالمية. تشرف إيران على مضيق هرمز، الممر البحري الاستراتيجي الذي يتدفق عبره خُمس إنتاج النفط العالمي. في حال تعرضت إيران لهجوم، قد تلجأ إلى التهديد بإغلاق المضيق أو عرقلة الملاحة فيه عبر الألغام البحرية أو استهداف ناقلات النفط. مثل هذا السيناريو سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط. بالفعل، أظهرت أحداث سابقة أن مجرد ارتفاع التوتر يسبب قفزة بالأسعار؛ فقد ارتفعت أسعار النفط عالميًا 9% بعد هجوم صاروخي إيراني (افتراضي) على إسرائيل وتصاعد خطر الحرب الشاملة. ولا شك أن اندلاع نزاع مسلح واسع النطاق سيؤدي ربما إلى ارتفاع سعر البرميل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، مما يوجه صدمة للاقتصاد العالمي بالنسبة لدول الخليج المنتجة للنفط، قد تبدو مستفيدة آنياً من ارتفاع الأسعار، لكنها أيضًا الأكثر عرضة للخطر. منشآت النفط في السعودية والإمارات سبق أن استُهدفت بهجمات (مثل ضرب منشأتي بقيق وخريص عام 2019) اتُّهمت إيران بالضلوع فيها. في حال نشوب حرب، ستقفز التأمينات على الناقلات، وربما تتوقف الشحنات لفترات مما يقلص صادرات هذه الدول ويؤثر على عائداتها. أما الدول المستوردة للنفط كالأردن ومصر ولبنان، فستعاني من ارتفاع فاتورة الطاقة مما ينعكس مباشرة على أسعار الكهرباء والوقود وبالتالي تكلفة المعيشة. هذا سيناريو مقلق للشباب العربي الذي يرزح أصلاً تحت ضغوط بطالة وغلاء معيشة؛ فأي اضطراب إضافي في أسعار الطاقة سيؤثر على فرص العمل وعلى الاستقرار الاقتصادي في بلدانهم.
علاوة على ذلك، تمتلك إيران نفسها احتياطيات نفطية كبيرة (إنتاجها نحو 3% من الإنتاج العالمي. أي حرب قد تعني وقف صادرات إيران تمامًا، وإخراج ملايين البراميل من السوق. كما قد تتأثر إمدادات الغاز الطبيعي إذا توسع النزاع ليشمل منصات الغاز في الخليج أو خطوط الأنابيب. باختصار، ضربة عسكرية ضد إيران لن تكون حدثًا موضعيًا، بل قد تهز أسواق الطاقة بعنف، وترفع الأسعار، وتفاقم التضخم العالمي، وتضرب اقتصادات ناشئة وشركات ناشئة يكافح الشباب فيها لتحقيق الاستقرار المالي.
احتمال توسع التصعيد إلى صراع شامل
السؤال المخيف: هل يمكن أن تؤدي ضربة محدودة إلى حرب إقليمية شاملة وربما أبعد من ذلك؟ التاريخ يحذّرنا من أن الحروب كثيرًا ما تبدأ بخطوة محسوبة ثم تتطور خارج نطاق السيطرة. في حالة إيران، أي هجوم سيشعل على الأقل حربًا إقليمية متعددة الجبهات. إيران vs إسرائيل وأمريكا من جهة، لكن معها أطراف أخرى: وكلاء إيران (حزب الله، جماعات عراقية، الحوثيون) ضد حلفاء أمريكا في المنطقة. إذا طال أمد النزاع واتسع، قد تجد دول أخرى نفسها منخرطة سواء بالدعم اللوجستي أو حتى بالمواجهة المباشرة.
هناك أيضًا خطر أن يستغل تنظيم داعش أو ما شابهه الفوضى ليصعّد عملياته الإرهابية مستغلًا انشغال الدول بالحرب. ومع أن التنظيم ضُعف كثيرًا في السنوات الأخيرة، إلا أن بؤر خلاياه في العراق وسوريا قد تنشط مجددًا وسط الفراغ الأمني.
على المستوى العالمي، قد تتحول الحرب إلى مواجهة أوسع بين القوى الكبرى بالوكالة. تخيّل مثلًا دعم روسيا والصين لإيران بالأسلحة أو المعلومات، مقابل دعم غربي مطلق لإسرائيل. هذا الوضع قد يذكّر بحرب باردة جديدة تدور فصولها بحرارة في رمال الشرق الأوسط. وحتى إن تجنبت القوى الكبرى مواجهة مباشرة، فإن الاقتصاد العالمي سيتضرر لدرجة قد تجر العالم إلى ركود اقتصادي أو أزمات مالية تضرب الجميع.
مع توسع نطاق المعركة، يزداد أيضًا خطر سوء التقدير. ماذا لو ضربت إيران قاعدة أمريكية وسقط عدد كبير من الجنود؟ قد تضغط أصوات الحرب في واشنطن للرد بقوة أكبر بكثير مما خُطط له أصلاً. وماذا لو أصابت صواريخ إيرانية مفاعل ديمونا النووي في إسرائيل أو منشآت نفط عملاقة في الخليج، مهددة بكارثة بيئية واقتصادية؟ عندها سنكون أمام واقع جديد تمامًا أشبه بكابوس. إن شبح الحرب الشاملة يلوح في الأفق إذا بدأ سيناريو الضربة، وهذا ما يجعل الكثيرين يحذرون من اللعب بالنار في منطقة تعج بالمواد القابلة للاشتعال.
برأيك، هل الضربة العسكرية ضد إيران خطوة ستجلب الأمن أم الفوضى للشرق الأوسط؟
المصادر
- Foreign Policy – “What Would a Military Strike on Iran Mean for the Middle East?” (تحليل بتاريخ مارس 2025)
- Radio Free Europe/Radio Liberty – “Would An All-Out Israel-Iran War Send Oil Prices Skyrocketing?” (تقرير في أكتوبر 2024)
- The Economic Times – “Donald Trump may bomb Iranian nuclear sites… raising fears of World War III” (نقلًا عن تقرير لـDaily Mail، أبريل 2025)
- The Economic Times – “A full-blown Israel-Iran war can imperil India’s oil security” (مقال أكتوبر 2024)
- Reuters – “Oil gains more than $2... on reports Iran preparing Israel attack” (خبر أكتوبر 2024)