ذكرى مجزرة حماة 1982: صفحة دامية في تاريخ سوريا الحديث

ملخص :
السياق التاريخي قبل المجزرة
لم تكن أحداث فبراير/ شباط 1982 مفصولة عن الصراعات السياسية والعسكرية التي عاشتها سوريا على مدى عقدين قبلهما، فمنذ انقلاب حزب البعث على الحكم عام 1963، شهدت حماة ومدن أخرى مواجهات واعتقالات وقتل شملت الأحزاب المعارضة والمسلحين.
كانت أبرز هذه الأحداث "أحداث جامع السلطان" عام 1964، حيث اندلعت هبة شعبية في حماة ضد حكم البعث، فقوبلت بتدخل عسكري وحصار للقوى الشعبية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى المدنيين، وتواصلت المواجهات بعد انقلاب حافظ الأسد على الحكم، وإقرار دستور 1973 الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة، مما أدى إلى موجة مظاهرات واعتقالات واسعة بين صفوف المعارضة، وخصوصاً من دعا إلى مقاومة حزب البعث.
وفي منتصف السبعينيات، شهدت المدينة تصاعداً في العمليات المسلحة ضد الدولة، أبرزها هجوم "الطليعة المقاتلة" على مدرسة المدفعية بحلب عام 1979، ما أدى إلى مقتل عشرات الضباط العلويين، واتهمت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية.
فشلت محاولة اغتيال حافظ الأسد في يونيو/ حزيران 1980، لكن رد النظام كان دامياً، حيث نفذت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد مجزرة سجن تدمر، أودت بحياة أكثر من ألف سجين معظمهم من الإسلاميين، تبع ذلك صدور المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 1980 الذي حظر الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، واعتُبر كل منتسب لها مجرماً مع عقوبة الإعدام.
الاستعدادات لمجزرة حماة
كانت حماة تضم عدداً كبيراً من منتسبي جماعة الإخوان المسلمين، كما أنها مدينة شهدت عدة انتفاضات ضد حزب البعث، وفي منتصف 1981، خططت "الطليعة المقاتلة" بالتنسيق مع جماعة الإخوان و"الضباط الأحرار" لانقلاب على النظام، لكن المخطط فشل، مما دفع حافظ الأسد إلى إصدار قرار اجتياح المدينة.
وفي نهاية يناير/ كانون الثاني 1982، بدأت قوات الجيش وأجهزة الأمن حصار المدينة، حيث فرضت القوات حصاراً كاملاً على حماة، قطعت الماء والكهرباء والاتصالات وفرضت حظر تجول، تمهيداً للبدء بالهجوم، بمشاركة:
- سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، 12 ألف جندي، تمركزوا حول المدينة وداخلها.
- الوحدات الخاصة مزودة بالدبابات والمدفعية.
- الكتائب الحزبية من المدنيين الموالين لحزب البعث.
- فرع الأمن العسكري، أمن الدولة والأمن السياسي.
- اللواء 47 دبابات وسرايا الصراع واللواء 21 ميكانيك والفرقة المدرعة الثالثة، لعبت دوراً أساسياً في الاقتحام والقصف.
مجزرة فبراير 1982: مجريات الأحداث
في الثاني من فبراير/ شباط، حاولت القوات اقتحام المدينة، لكنها واجهت مقاومة مسلحة من المعارضة، فانسحبت وبدأت عمليات قصف عشوائي ومدمر شملت جميع أحياء المدينة، بما فيها البيوت ومساجدها وعياداتها، مما أسفر عن مقتل وإصابة أعداد كبيرة من المدنيين.
بدأت مرحلة الاقتحام البري يوم 4 فبراير/ شباط، باستخدام الدبابات والراجمات وقاذفات الهاون، لتشمل كافة المناطق السكنية. استمر التفتيش والاعتقالات العشوائية، ورافقها تنكيل بالجثث والجرحى واغتصاب ونهب وتدمير للمنازل.
ونفذت القوات عمليات إعدام ميداني جماعي وفردي لمئات المدنيين، بما في ذلك نساء وأطفال، خاصة في مناطق السوق والحاضر، واستمرت الاشتباكات في بعض الأحياء حتى 23 فبراير/ شباط، مع اعتماد سياسة "الأرض المحروقة"، ودمرت أحياء بالكامل مثل البارودية، والكيلانية، والحميدية.
وخلال العملية، تعرض المستشفى المركزي لهجوم مباشر، وقتل جميع المرضى، وأُجبر الطاقم الطبي على التعامل مع جرحى الجيش فقط.
حجم الخسائر والدمار
أسفرت المجزرة، التي استمرت 27 يوماً، عن:
- قتلى: 30 ألفاً إلى 40 ألفاً، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حوالي 7984 حالة، إضافة إلى نحو 17 ألف مفقود، وثقت أسماء 3762 منهم.
- الدمار: دمرت أحياء بالكامل (الكيلانية، العصيدة الشمالية، الزنبقي)، ودمرت أحياء أخرى بنسبة 80%، والبقية بين ربعها ونصفها.
- المساجد والكنائس: دُمّر 79 مسجداً و3 كنائس كلياً أو جزئياً.
- المرافق الطبية: دُمّرت 40 عيادة طبية، إضافة إلى مواقع تاريخية وأثرية.





