ماذا نعرف عن الدبلوماسية الوقائية؟

ملخص :
يرتبط ظهور الدبلوماسية الوقائية في العلاقات الدولية الحديثة بالاقتصادي السويدي داغ همرشولد، الأمين العام للأمم المتحدة بين 1953 و1961، وقد سعى همرشولد إلى تطوير أداء المنظمة الدولية عبر إدخال مفاهيم وممارسات تهدف إلى تقديم مساهمات ملموسة في حل النزاعات سلمياً، ويقصد بذلك استخدام التفاوض بين الدول لتسوية النزاعات القائمة، إضافة إلى المساعي والإجراءات التي تقوم بها الدول أو المنظمات الإقليمية والدولية لمنع اندلاع النزاعات، ومنع تصاعد النزاعات القائمة، واحتواء انتشارها عند وقوعها.
تشمل هذه المساعي الوسائل التفاوضية والتحقيقية، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتسوية القضائية، وقد تجسد التطبيق العملي الأول للدبلوماسية الوقائية خلال أزمة السويس عام 1956، حين تدخلت الأمم المتحدة ببعض التدابير العسكرية الدولية المحدودة لفض الاشتباك بين الأطراف المتحاربة، وتنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار، تمهيداً لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي وتسوية الأزمة، ومنذ ذلك الوقت، أُطلق على هذه التدابير الجماعية مصطلح عمليات حفظ السلام، التي تطورت لاحقاً لتصبح أحد الركائز الأساسية في إدارة النزاعات الدولية.
تعريف الدبلوماسية الوقائية وفق الأمم المتحدة
عرف السكرتير العام السابق للأمم المتحدة، بطرس غالي، الدبلوماسية الوقائية في تقريره "خطة للسلام" بأنها: "العمل الرامي إلى منع نشوء منازعات بين الأطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها"، موضحا أن مهام الدبلوماسية الوقائية يمكن أن يقوم بها الأمين العام شخصياً، أو يُكلف كبار الموظفين، أو الوكالات والبرامج المتخصصة، أو عبر مجلس الأمن والجمعية العامة، أو بالتعاون مع المنظمات الإقليمية.
أشكال الدبلوماسية الوقائية
- الدبلوماسية الوقائية المباشرة: تهدف هذه النوعية إلى منع الصراع على المدى القصير، وغالباً ما تتدخل في مرحلة الأزمة التي قد تتصاعد إلى صراع مسلح، ويتم تفعيلها عادة من قبل طرف ثالث، أو وسيط يسعى لمنع تفاقم النزاع أو زيادة حدته.
- الدبلوماسية الوقائية غير المباشرة: تركز على الإجراءات الوقائية البنيوية التي تعالج الصراعات الكامنة قبل أن تتحول إلى نزاعات مسلحة، ويطلق عليها أحياناً المنع الوقائي العميق، وتشمل جهوداً مثل تقليل الفقر، مكافحة الاستبداد والظلم الاجتماعي، دعم التكتلات الإقليمية، وخلق آليات دبلوماسية وقضائية للتحكيم وتسوية النزاعات.
استراتيجيات التدخل والوقاية
أولا: استراتيجيات التدخل الخفيف ودرء الأزمة: تسعى هذه الاستراتيجية إلى إدارة المنطقة الرمادية بين السلام والحرب، حيث تعزز الدولة قدراتها العسكرية مع الحفاظ على الاتصالات الدبلوماسية، وتشمل هدفين رئيسيين:
- وقف التصعيد الذي قد يؤدي إلى الحرب.
- دعم جهود دفع أطراف النزاع نحو السلام.
ثانيا: استراتيجيات التدخل العميق: تتعلق بإعادة بناء الإدارة والحكم الرشيد في الدول المتأثرة بالنزاع، وإرساء دوائر السلام المستدام، وترشيد نظم الإدارة المحلية والإقليمية والدولية لتصبح أكثر استجابة للاحتياجات الإنسانية.
استراتيجيات الوقاية العملية
تهدف إلى وقف تصعيد النزاع قبل انفجاره، وتُعرف بأنها جزء من عملية صنع السلام، وتقوم على الالتزام المبكر والطوعي لطرف ثالث لتهيئة الظروف الملائمة لتجاوز النزاع، وتشمل أربعة عناصر رئيسية:
- وجود لاعب قيادي موثوق Player Lead أو Preventor لتنسيق الجهود الوقائية.
- اعتماد نهج سياسي وعسكري متكامل لربط الجوانب الأمنية والسياسية للنزاع.
- توفير الموارد الكافية لدعم العملية الوقائية.
- وضع خطة لاستعادة السلطة وإعادة استقرار الدولة بعد تسوية النزاع.
استراتيجيات الوقاية الهيكلية
تتعلق بالمرحلة بعد تسوية النزاع وتهدف إلى منع اندلاع النزاع مرة أخرى، وتعرف أيضاً باسم بناء السلام، وتشمل:
- إقامة نظم قانونية وآليات محلية لتسوية النزاعات.
- إنشاء ترتيبات تعاونية تلبي الحاجات الإنسانية لمختلف الجماعات.
- تطوير مؤسسات وهيئات محلية وإقليمية ودولية لضمان الاستقرار ومنع تجدد النزاعات.
تعتبر الدبلوماسية الوقائية أداة أساسية للأمم المتحدة والمجتمع الدولي لضمان إدارة النزاعات بشكل سلمي وفعّال، فهي تجمع بين التدخل المباشر وغير المباشر، والاستراتيجيات العملية والهيكلية، بهدف درء النزاعات، ووقف التصعيد، وبناء السلام المستدام، ومع تطور هذه الآليات عبر الزمن، باتت تمثل إطاراً متكاملاً لمعالجة أزمات العالم المعاصر، بما يحقق الاستقرار الإقليمي والدولي ويحافظ على الأمن والسلم العالميين.





