"حرب السماء" في السودان.. المسيرات تُغيّر طبيعة المعارك

ملخص :
لم تعد العمليات الجوية في الحرب السودانية مجرّد عامل إسناد لمحاور القتال البري، بل تحولت إلى جبهة قائمة بذاتها، تُدار فيها معارك تعتمد على التفوق المعلوماتي والقتال عبر الطائرات المسيّرة، وخلال العام الماضي وبدايات العام الحالي، برزت المسيّرات كأداة رئيسية في رسم إيقاع المواجهات، من خلال استهداف مواقع محددة، وتعطيل خطوط الإمداد، وكشف التحركات الميدانية، وفرض حالة تهديد دائم تربك انتشار القوات وتفرض تعديلات مستمرة على تكتيكاتها.
معادلة جديدة: امتلاك المسيّرات مقابل تعطيلها
التفوق العسكري ليس مرهونًا بمن يمتلك المسيّرات فحسب، بل بات مرتبطًا أيضًا بقدرة الأطراف على اعتراضها أو تحييدها عبر الدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني، وأسهم ذلك في جعل مسرح العمليات في إقليمي دارفور، وكردفان بيئة ملائمة لتطور ما يُعرف بـ "حروب السماء"، حيث يتنافس الطرفان على تطوير أدوات الهجوم والدفاع في آن واحد، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المعركة التقنية ستُحدث تحولًا حاسمًا على الأرض، أم ستقود إلى استنزاف متبادل طويل الأمد؟
توسع قدرات "الدعم السريع" الجوية
تفيد تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة بأن "قوات الدعم السريع" عملت على تعزيز حضورها في مجال القتال الجوي المسيّر، مع تسجيل نشاط ملحوظ للطائرات المسيّرة في محيط مدينة نيالا، وظهور منشآت وحظائر يُرجّح ارتباطها بإدارة هذه الطائرات، إلى جانب مؤشرات على امتلاك منصات إطلاق قريبة من المدينة، وتشير تحليلات خبراء إلى احتمال حصول "الدعم السريع" على مسيّرات متقدمة وبعيدة المدى، ما يوسّع نطاق تهديدها الجوي.
قراءة عسكرية: المسيّرات كسلاح منخفض الكلفة
يرى خبراء عسكريون أن الطائرات المسيّرة أصبحت من الأدوات الحاسمة في الحروب الحديثة، لما توفره من دقة عالية وكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي التقليدي، فضلًا عن تقليص الخسائر البشرية المباشرة، مشيرين إلى أن نمط القتال العالمي يتجه بصورة متسارعة نحو "حروب المسيّرات والصواريخ".
دارفور وكردفان: مختبر "حروب السماء"
فيما يرى محللون أن معارك دارفور، وكردفان تمثل نموذجًا عمليًا لفهم آليات "حروب السماء"، إذ يمكن للتفوق الجوي المسيّر أن يمنح أحد الأطراف أفضلية ملموسة، لكنه في الوقت نفسه قد يفضي إلى صراع تقني طويل الأمد إذا ما توازن الطرفان في أدوات الهجوم والدفاع.
الدفاع الجوي والتشويش في ترسانة "الدعم السريع"
تشير مصادر صحافية إلى امتلاك "قوات الدعم السريع" منظومات دفاع جوي وقدرات تشويش قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش، وتشمل هذه القدرات منظومات محمولة وخفيفة، من بينها صواريخ مضادة للطائرات تُحمل على الكتف من طراز "سام 7"، جرى رصدها ضمن عتاد تخلّت عنه القوات في مناطق كانت تحت سيطرتها.
وعلى الرغم من أن هذه المنظومات لا تتطلب بنية رادارية معقدة، فإنها تشكّل تهديدًا فعليًا للطائرات والمسيّرات، إذ تُجبرها على التحليق على ارتفاعات أعلى أو اتباع مسارات غير متوقعة، ما يزيد من مخاطر إسقاطها.
منظومات أكثر تطورًا وتدفق أسلحة متقدمة
إلى جانب الأنظمة المحمولة، تفيد تقارير صحافية أميركية بامتلاك "الدعم السريع" منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تطورًا قادرة على تهديد الطيران، وذكرت التحقيقات منظومات صينية، مثل "FK-2000"، ضمن تدفق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال السودانية، ويُعد إدخال هذه الأنظمة قفزة نوعية في قدرات الدفاع الجوي لدى "الدعم السريع"، بالتوازي مع الحديث عن امتلاك منصات تشويش وقدرات على مقاومة الإجراءات المضادة.
إجراءات مقابلة من جانب الجيش
وفي المقابل، تؤكد مصادر متعددة أن الجيش استخدم مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، ففي مايو/ أيار 2025، أعلنت القيادة العسكرية اعتراض مسيّرات فوق مدينة بورتسودان، فيما أفاد شهود بسماع إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، دون الكشف عن طبيعة المنظومات المستخدمة.
وفي سبتمبر/ أيلول 2025، نقلت صحيفة "سودان تربيون" عن مصادر عسكرية بدء نشر مسيّرات محلية مطوّرة ومقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور، كما أشارت تقارير إلى استخدام أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة خلال هجمات استهدفت مدينة الأُبيّض، ما يعكس تحوّل الاعتراض من حالات استثنائية إلى ممارسة شبه روتينية في مسار القتال.
إسقاط مسيّرات متقدمة وجدلية "أكينجي"
أثار إسقاط مسيّرات كبيرة ومتطورة، من طراز "بيرقدار أكينجي"، جدلًا واسعًا في الأوساط العسكرية والإعلامية، فقد أعلنت "قوات الدعم السريع" مرارًا إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، من دون تحديد نوع المنظومة المستخدمة، مع ترجيحات بأن تكون أنظمة صينية قصيرة المدى.
حرب تقنية مزدوجة: التشويش ومقاومته
تكشف تطورات الصراع عن خليط من أنظمة الدفاع الجوي، يتراوح بين منظومات "MANPADS"المحمولة، وأنظمة أكثر تقدمًا، ما يرفع كلفة تشغيل المسيّرات ويجبرها على تغيير أنماط التحليق والاستخدام، وفي موازاة ذلك، برز التشويش الإلكتروني كسلاح موازٍ لا يقل أهمية عن الصواريخ، إذ أشارت تقارير إلى امتلاك الجيش مسيّرات "مضادة للتشويش"، ما حوّل المواجهة إلى صراع بين منظومات الاتصال والتحكم والتعطيل، وليس مجرد سباق بين طائرات وصواريخ.
أثر متزايد على المدنيين وتحذيرات من الاستنزاف
ويفيد تقرير "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة(ACLED) "بارتفاع ملحوظ في وتيرة ضربات المسيّرات وتأثيرها المباشر على المدنيين، معتبرًا أنها أصبحت عنصرًا محوريًا في الحرب، دون أن تكون قادرة بمفردها على حسمها، ويؤكد التقرير أن فاعليتها ترتبط بقدرتها على إحداث شلل لوجيستي لدى الخصم، بما يؤدي إلى تقييد حركته وانهيار قدرته على المناورة البرية.
مخاوف من إطالة أمد الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية
ويحذّر مراقبون من أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة، إلى جانب منظومات إسقاط واعتراض وأدوات تشويش متقدمة، في بيئة عمليات تسمح بتعطيل الاتصالات والتحكم، قد يحوّل "حرب السماء" إلى صراع تقني طويل الأمد، ويُتوقع أن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد القتال، وتكبيد المدنيين خسائر جسيمة، فضلًا عن تعميق الأزمة الإنسانية في مناطق النزاع، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب تسوية عسكرية شاملة.





