مفهومٌ يشغل الدول.. ما هو "الأمن القومي"؟

ملخص :
شكّل مفهوم الأمن هاجسًا دائمًا لدى المفكرين وصنّاع القرار، بوصفه الضامن الأساسي للبقاء والاستمرار، وركيزة محورية في صياغة السياسات الداخلية والخارجية، ورغم مركزيته، ظلّ مفهومًا خلافيًا يتسم بالغموض وتعدد الدلالات، وهو ما عبّر عنه الباحث روني ليبشتز بقوله: "لا يوجد فقط صراع حول الأمن بين الأمم، بل أيضًا صراع بين الأمم حول مفهوم الأمن ذاته".
هذا الجدل يعكس اختلاف تصورات الدول والمجتمعات لمعنى الأمن، وحدوده، ووسائله، تبعًا لاختلاف السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية.
من الدفاع العسكري إلى الأمن الشامل
تقليديًا، جرى تعريف الأمن القومي بوصفه الحماية من الهجوم الخارجي، وهو ما جعل التركيز ينصبّ على بناء القدرات العسكرية لمواجهة التهديدات المسلحة، غير أن هذه الرؤية أثبتت محدوديتها، إذ إن الأمن لا يقتصر على تجهيز الجيوش واستخدام القوة الصلبة.
بل إن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية قاد في كثير من الحالات إلى نتائج عكسية، حيث أظهرت التجارب التاريخية أن سباقات التسلح غالبًا ما تُضعف الأمن بدلًا من تعزيزه، إذ تبدأ دولة ما بتعزيز قدراتها العسكرية لأغراض دفاعية، فتثير مخاوف جيرانها، الذين يردون بدورهم بتعزيز قدراتهم، ما يولّد حلقة مفرغة من انعدام الثقة والتصعيد المستمر.
نحو تعريف أوسع للأمن القومي
أفضت هذه الإشكاليات إلى الحاجة لتوسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل أبعادًا غير عسكرية، وفي هذا السياق، قدّم عدد من المفكرين تعريفات شاملة، أبرزها تعريف أرنولد ولفرز الذي اعتبر أن الأمن، بمعناه الموضوعي، يقاس بغياب التهديدات الموجهة للقيم المكتسبة، وبمعناه الذاتي، بغياب الخوف من التعرض لتلك التهديدات.
أما تريجر كروننبرج فعرّف الأمن القومي بأنه ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف خلق الظروف المواتية لحماية القيم الحيوية، فيما رأى هنري كيسنجر أنه كل تصرفات المجتمع الرامية إلى حفظ حقه في البقاء، وذهب روبرت ماكنمارا إلى ربط الأمن بالتنمية، مؤكدًا أن غياب التنمية يعني بالضرورة غياب الأمن.
مرحلتان في تطور مفهوم الأمن القومي
مرّ مفهوم الأمن القومي بمرحلتين رئيسيتين متأثرًا بالتطورات العالمية:
- المرحلة الأولى، سادت النظرة الاستراتيجية الضيقة التي ركزت على صدّ العدوان العسكري، وحماية الحدود، والحفاظ على الاستقلال الوطني.
- أما المرحلة الثانية، فشهدت توسعًا في المفهوم ليشمل تأمين المواطنين سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، في مواجهة أخطار متعددة فرضتها طبيعة العصر الحديث والانفتاح العالمي.
العولمة وتراجع السيادة الوطنية
مع انتهاء عصر العزلة وصعود العولمة، تراجعت سيادة الدولة التقليدية، وتناقصت استقلالية القرار الوطني لصالح قوى إقليمية ودولية، وأصبحت بعض القرارات تُتخذ بالشراكة مع منظمات دولية، كما لم تعد السياسات الاقتصادية حكرًا على الحكومات الوطنية، بل باتت خاضعة لتأثير مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ما مثّل تحديًا مباشرًا للأمن القومي.
مستويات الأمن: من الفرد إلى العالم
تبرز أهمية تحديد مستويات الأمن في توضيح الفوارق المفاهيمية، وتنقسم هذه المستويات إلى أربعة:
- أمن الفرد: حماية حياته وممتلكاته وأسرته.
- الأمن القومي: حماية الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية.
- الأمن الإقليمي: تنسيق عدة دول ضمن إقليم واحد لمواجهة التهديدات المشتركة.
- الأمن الدولي: الحفاظ على السلم والأمن الدوليين عبر المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
المدارس الفكرية في الأمن القومي
نتيجة نسبية مفهوم الأمن القومي، تعددت المدارس النظرية التي تناولته، وأبرزها ثلاث:
- الواقعية: الدولة في مواجهة الفوضى
تركز النظرية الواقعية على الدولة باعتبارها الفاعل الرئيسي في نظام دولي فوضوي يفتقر إلى سلطة مركزية، ووفقًا لها، يتحقق الأمن عبر امتلاك القوة واستخدامها، وقد ازدهر هذا المفهوم عقب الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، حيث طغى الاهتمام بسياسات الأمن على المفهوم ذاته، وتجسّد ذلك في إنشاء مجلس الأمن القومي الأمريكي.
غير أن هذه النظرية تعرّضت لانتقادات، أبرزها تغليب البعد العسكري، وتهميش الأبعاد الداخلية والتنموية، وتحويل الأمن إلى قيمة عليا قد تقود إلى الدولة البوليسية.
- الثورية: العدالة بوصفها مدخل الأمن
ترى النظرية الثورية أن النظام الدولي قائم على الظلم، وأن تغييره ضرورة تاريخية، وتربط هذه المدرسة بين الحرب والاستغلال الاقتصادي، معتبرة أن معالجة اختلالات علاقات الشمال والجنوب تمثل مدخلًا أساسيًا لتحقيق الأمن والسلام.
- الليبرالية: الأمن عبر التعاون والاعتماد المتبادل
ترفض النظرية الليبرالية حصر الأمن في الدولة أو البعد العسكري، وتؤكد دور الفاعلين غير الحكوميين، وتعدد المصالح داخل الدولة، وترى أن الأمن يتحقق عبر التعاون الدولي، والاعتماد المتبادل، وحرية المعاملات، بما يشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الأمن القومي والسياسة الخارجية: تداخل وتمييز
يتداخل مفهوم الأمن القومي مع السياسة الخارجية والمصلحة القومية والمصلحة العامة، فالأمن القومي يهتم بحماية القيم الجوهرية للدولة داخليًا وخارجيًا، دون الفصل بين الساحتين، بخلاف السياسة الخارجية التي تركز أساسًا على البيئة الدولية، ومع تصاعد تهديدات الاضطراب الداخلي، بات الداخل أحد أبرز مصادر التهديد للأمن القومي.
الأبعاد الخمسة للأمن القومي
مع التخلي عن المفهوم العسكري الضيق، توسّع دور الدولة ليشمل خمسة أبعاد رئيسية للأمن القومي:
أولا: البعد السياسي
يركز على الحفاظ على الكيان السياسي، وتماسك الجبهة الداخلية، والوحدة الوطنية، إلى جانب مواجهة أطماع القوى الخارجية وفق أولويات استراتيجية واضحة.
ثانيا: البعد الاقتصادي
يهدف إلى توفير متطلبات التنمية والرفاهية، ويُعد النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي ركيزتين أساسيتين لبناء القوة الشاملة وتعزيز الردع وتنمية التبادل التجاري.
ثالثا: البعد الاجتماعي
يرتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الطبقية، وتحسين الخدمات، وتعزيز الانتماء والولاء الوطني، إذ يشكل الظلم الاجتماعي والفقر تهديدًا داخليًا خطيرًا للأمن القومي.
رابعا: البعد العسكري
يتمثل في بناء قوة عسكرية قادرة على الردع والدفاع، ودعم السياسة الخارجية، وضمان الاستعداد القتالي في السلم والحرب.
خامسا: البعد الثقافي
يركز على حماية القيم والهوية والفكر، وتحقيق التماسك الثقافي في مواجهة تحديات العولمة وصراع الحضارات، بما يشمل التعليم والإعلام والفنون.
الإنسان.. جوهر الأمن القومي
في ظل تعدد الأبعاد، يبرز الإنسان بوصفه محور الأمن القومي وهدفه النهائي، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي دون تنمية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، ومنظومة سياسية تتيح المشاركة، وتوازن بين متطلبات المعيشة ونفقات الدفاع، وتحديد دقيق للمصالح والدوائر الحيوية للدولة.
وبذلك، يصبح الأمن القومي مفهومًا شاملًا، يتجاوز السلاح والحدود، ليشمل كرامة الإنسان ورفاهيته وقدرته على العيش بأمان في وطن مستقل.





