من نظام روما إلى مؤتمر كمبالا.. ما هي جريمة العدوان؟

ملخص :
أدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة العدوان ضمن الجرائم الأربع الأشد خطورة التي تدخل في اختصاص المحكمة، وذلك في المادة الخامسة من الباب الثاني المتعلق بالاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق، ورغم خطورة هذه الجريمة ومكانتها، فإن النظام لم يتوسع في شرح مفهومها أو تحديد عناصرها على نحو مفصل، خلافًا لما فعله مع جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، التي حظيت بتعريفات دقيقة ونصوص موسعة في مواد متعددة.
تعريف واسع لجريمة العدوان
اعتمد نظام روما تعريفًا عامًا لجريمة العدوان، مفاده أن الجريمة تتحقق عندما يقوم شخص يتمتع بقدرة فعلية على التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة، أو توجيهه، بالتخطيط أو الإعداد أو الشروع أو التنفيذ لعمل عدواني، يكون من شأنه، بحكم طبيعته وخطورته ونطاقه، أن يشكل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة.
ويُقصد بالعمل العدواني كل استخدام للقوة المسلحة من جانب دولة ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو أي تصرف آخر يتعارض مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة.
الأفعال التي تُعد أعمالًا عدوانية وفق الأمم المتحدة
استند النظام في توصيف الأفعال العدوانية إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 الصادر عام 1974، والذي حدد مجموعة من الأفعال التي تندرج ضمن مفهوم العدوان، سواء تم ارتكابها في سياق إعلان حرب أو دون إعلانها، ومن أبرزها:
- قيام القوات المسلحة لدولة بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو فرض احتلال عسكري مؤقت أو دائم، أو ضم إقليم دولة أخرى أو جزء منه باستخدام القوة.
- قصف إقليم دولة بالقنابل أو استخدام أي نوع من الأسلحة ضد إقليم دولة أخرى.
- ضرب الموانئ أو السواحل أو فرض حصار بحري من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى.
- مهاجمة القوات البرية أو البحرية أو الجوية أو الأساطيل البحرية والجوية التابعة لدولة أخرى.
- استخدام دولة لقواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقتها، بطريقة تخالف شروط الاتفاق المبرم، أو الاستمرار في وجودها بعد انتهاء الاتفاق.
- سماح دولة باستخدام إقليمها من قبل دولة أخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة.
- إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة، أو المشاركة الفعلية في ذلك، لشن أعمال عنف مسلح تعادل في خطورتها الأفعال السابقة.
السلوك الإيجابي شرط لقيام الجريمة
يتضح من نصوص نظام روما أن جريمة العدوان لا تقوم إلا على أساس فعل إيجابي ملموس، إذ ركز التعريف على "استخدام القوة" دون التطرق إلى مجرد التهديد باستخدامها، ويعني ذلك أن التفكير في العدوان أو إبداء النية أو إطلاق التهديدات لا يكفي لقيام الجريمة، ما لم يقترن بسلوك مادي يتمثل في فعل عدواني فعلي يحقق أركان الجريمة.
المسؤولية الجنائية الفردية عن جريمة العدوان
أقر نظام روما الأساسي مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة، بما في ذلك جريمة العدوان، وتُسند هذه المسؤولية إلى القادة والرؤساء والأفراد على حد سواء، مع تركيز خاص على القادة السياسيين والعسكريين، باعتبارهم أصحاب القرار الفعلي في التخطيط والتنفيذ.
مسؤولية القادة العسكريين وفق المادة 28
ونصت المادة 28 من نظام روما، ضمن الباب الثالث المتعلق بالمبادئ العامة للقانون الجنائي، على مسؤولية القادة العسكريين أو من يقومون فعليًا بأعمالهم، وتتحقق هذه المسؤولية عندما ترتكب القوات الخاضعة لإمرة القائد أو سيطرته الفعلية جرائم تدخل في اختصاص المحكمة، نتيجة إخفاقه في ممارسة الرقابة السليمة.
وتقوم المسؤولية في هذه الحالة إذا كان القائد قد علم، أو كان ينبغي أن يعلم، في ظل الظروف السائدة، بأن قواته ترتكب أو توشك على ارتكاب جرائم، ولم يتخذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنعها أو قمعها، أو لم يحل الأمر إلى الجهات المختصة للتحقيق والملاحقة القضائية.
مسؤولية الرؤساء المدنيين والقادة غير العسكريين
وسعت المادة ذاتها نطاق المسؤولية ليشمل الرؤساء، أو القادة غير العسكريين عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم ممن يخضعون لإشرافهم وسلطتهم الفعلية، وتتحقق هذه المسؤولية إذا توافرت شروط محددة، من بينها علم الرئيس أو تجاهله المتعمد لمعلومات واضحة تفيد بارتكاب الجرائم أو قرب وقوعها، وارتباط تلك الجرائم بأنشطة تدخل ضمن نطاق مسؤوليته الفعلية، إضافة إلى امتناعه عن اتخاذ التدابير المعقولة لمنع الجرائم أو إحالتها إلى الجهات المختصة.
مؤتمر كمبالا 2010: نقطة التحول في تعريف الجريمة
في 31 مايو/ أيار 2010، شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا انعقاد المؤتمر الاستعراضي لنظام روما الأساسي، الذي مثّل أول فرصة شاملة لتقييم التعديلات المدخلة على النظام منذ دخوله حيز النفاذ عام 2002، وشكل تعريف جريمة العدوان محور النقاش الأبرز خلال المؤتمر، ضمن حزمة من التعديلات المقترحة.
تحديد أركان جريمة العدوان بعد التعديلات
أسفرت تعديلات كمبالا عن إدراج أركان محددة لجريمة العدوان في المرفق الثاني المتعلق بأركان الجرائم، وجاءت على النحو التالي:
- قيام الجاني بالتخطيط أو الإعداد أو البدء أو التنفيذ لعمل عدواني.
- تمتع الجاني بموقع يتيح له التحكم الفعلي أو التوجيه للعمل السياسي أو العسكري للدولة المرتكبة للعدوان، مع إمكانية انطباق ذلك على أكثر من شخص.
- ارتكاب عمل عدواني يتمثل في استخدام القوة المسلحة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة.
- إدراك الجاني للظروف الواقعية التي تثبت تعارض استخدام القوة مع ميثاق الأمم المتحدة.
- أن يشكل العمل العدواني، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكًا واضحًا للميثاق.
- علم الجاني بالظروف الواقعية التي تؤكد هذا الانتهاك الواضح.
جريمة عدوان أكثر وضوحًا في القانون الدولي
أعادت تعديلات كمبالا صياغة مفهوم جريمة العدوان على نحو أكثر دقة، ورسخت مبدأ محاسبة القادة السياسيين والعسكريين عن أخطر الانتهاكات التي تمس السلم والأمن الدوليين، في خطوة اعتُبرت تطورًا نوعيًا في مسار العدالة الجنائية الدولية.





