وسط بورصة الأسماء.. من سيكون رئيس الوزراء العراقي القادم؟

ملخص :
دخل العراق عام 2026 مثقلًا بتوقعات شعبية عالية وضغوط إقليمية متزايدة، في أعقاب دورة انتخابية اتسمت بتفاوت نسب المشاركة، وقد أفرزت النتائج برلمانًا منقسمًا، عجزت فيه أي كتلة عن تأمين أغلبية تتيح لها تشكيل الحكومة منفردة، ولم يكن هذا التشظي عدديًا فقط، بل عكس انقسامًا أعمق في الرؤى بين اتجاهين رئيسيين:
الأول: يرفع شعار "الحوكمة الخدمية” ويقوده رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ويركز على الإنجاز الميداني وتحسين الخدمات.
أما الثاني: فتتبناه قوى تقليدية داخل "الإطار التنسيقي" تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج المحاصصة الحزبية الذي حكم المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
تحولات مزاج الناخب: من الشعارات إلى الواقعية
أظهرت تقارير المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الصادرة في أواخر 2025 تحولًا ملحوظًا في سلوك الناخب العراقي، إذ بدا أن شريحة واسعة اتجهت نحو ما يمكن وصفه بـ "الواقعية السياسية"، مفضلةً الأداء والخدمات على الخطابات الأيديولوجية. وقد انعكس هذا التحول في توزيع الأصوات بين الكتل الكبرى.
خريطة القوى الفائزة وأوراقها التفاوضية
- ائتلاف الإعمار والتنمية: صعود خطاب الخدمات
حقق ائتلاف الإعمار والتنمية، بقيادة محمد شياع السوداني، نتائج وازنة استندت إلى دعم جمهور المناطق التي شهدت تنفيذ مشاريع خدمية وبنى تحتية خلال ولايته، هذا التقدم منحه موقع الصدارة داخل المكون الشيعي، وأهّله ليكون الطرف الأقوى على طاولة المفاوضات الحكومية.
- دولة القانون: ثبات القاعدة الصلبة
في المقابل، حافظ ائتلاف دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، على قاعدة جماهيرية ذات طابع عقائدي وبيروقراطي، ما مكّنه من الاحتفاظ بنفوذ مؤثر، خصوصًا فيما يتعلق بالتحكم بنصاب "الثلثين" اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية، الذي يتولى بدوره تكليف رئيس الوزراء.
- المكونان السني والكردي: حياد مشروط
اتبعت القوى السنية والكردية سياسة النأي بالنفس عن الصراع الشيعي-الشيعي، مركزةً على انتزاع مكاسب محددة مقابل دعم أي مرشح لرئاسة الحكومة، وتتمثل هذه الشروط في ملفات مالية وقانونية بارزة، مثل إقرار قانون العفو العام، وضمان مستحقات الموازنة، وحسم القضايا العالقة المرتبطة بالمادة 140 من الدستور.
أبرز المرشحين لرئاسة الوزراء
محمد شياع السوداني: خيار الاستمرارية
يُنظر إلى السوداني بوصفه أول رئيس وزراء "ميداني" استطاع تحريك عجلة الإعمار وكسر حالة الجمود في المشاريع الخدمية، ويحظى بدعم غير معلن من المرجعية الدينية في النجف، نتيجة تركيزه على تحسين الخدمات، إضافة إلى قبول دولي نسبي، خاصة من المؤسسات المالية كالبنك الدولي، بسبب خطواته الإصلاحية في المجال الاقتصادي.
غير أن طموحه يواجه تحديات داخلية، أبرزها تحفظ بعض شركائه في الإطار التنسيقي، الذين يتخوفون من تحوله إلى شخصية ذات شعبية واسعة قد تُضعف نفوذ الأحزاب التقليدية.
أسعد العيداني: نموذج اللامركزية
برز اسم محافظ البصرة أسعد العيداني كمرشح محتمل، مستفيدًا من نجاحه في استثمار استضافة بطولة "خليجي 25"، وما تبعها من نهضة عمرانية في المحافظة، ويُطرح العيداني بوصفه خيارًا وسطيًا، يتمتع بعلاقات متوازنة مع الفصائل المسلحة، وفي الوقت نفسه يمتلك قنوات تواصل جيدة مع دول الخليج، إلا أن صعود شخصية قوية يثير حذر مراكز القوى في بغداد.
نوري المالكي: النفوذ المستمر
يمتلك المالكي شبكة نفوذ عميقة داخل مؤسسات الدولة، ما يمنحه قدرة كبيرة على المناورة السياسية وتجميع الكتل الصغيرة، ومع ذلك، فإن عودته المباشرة إلى رئاسة الحكومة تصطدم برفض إقليمي ودولي، فضلًا عن استمرار "الفيتو الصدري" الذي يظل حاضرًا كأداة ضغط شعبي، حتى في ظل غياب التيار الصدري عن البرلمان.
الشخصيات الأمنية: خيار إدارة الأزمات
تطرح بعض مراكز الدراسات أسماء ذات خلفية أمنية، مثل "قاسم الأعرجي"، و"حميد الشطري، كخيارات محتملة في حال تصاعد التوتر الإقليمي، وفي سيناريو كهذا، قد يتجه العراق إلى اختيار رئيس وزراء أمني قادر على إدارة الأزمات وامتلاك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بهدف تحييد البلاد عن صراعات أوسع.
العراق في قلب صراع إقليمي ودولي
يقف العراق في عام 2026 عند تقاطع ضغوط ثلاثة أطراف رئيسية:
- الولايات المتحدة، في ظل إدارة دونالد ترامب الثانية، تركز على تقليص النفوذ الإيراني وضمان استقرار إمدادات النفط، وستدعم أي مرشح يضمن استقلالية القرار الاقتصادي.
- إيران، من جهتها، تسعى إلى الحفاظ على وحدة الصف الشيعي ومنع انزلاقه إلى صراع داخلي، وتميل إلى دعم السوداني ما دام يحافظ على التوازن ولا يصطدم بالفصائل المسلحة.
- المحيط العربي، ولا سيما السعودية والإمارات، فيدعم التوجه نحو "دولة الخدمات"، ويرى في السوداني أو العيداني شريكين اقتصاديين موثوقين.
تحديات وجودية بانتظار الحكومة المقبلة
أي رئيس وزراء سيتولى المنصب سيجد نفسه أمام ثلاثة تحديات مصيرية:
- الأول: ملف سلاح الفصائل، وسبل الموازنة بين دور "الحشد الشعبي" وهيبة الدولة وسيادتها.
- الثاني: الاعتماد شبه الكلي على النفط، في ظل تقلبات الأسعار العالمية وتأثيرها المباشر على موازنة ضخمة تعتمد أساسًا على الرواتب.
- الثالث: فيتمثل في التغير المناخي وأزمة المياه والجفاف، التي بدأت تدفع نحو موجات نزوح داخلي تضغط على المدن والبنى التحتية.
السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة
- سيناريو "سوداني 2"
تُرجّح التقارير هذا السيناريو بنسبة ليست بالقليلة، حيث يتم التجديد للسوداني بعد مفاوضات شاقة تنتهي بتقديم تنازلات سياسية، من خلال منح القوى المختلفة حصصًا في الهيئات المستقلة والوكالات، مقابل استمراره في رئاسة الحكومة لضمان عدم تعثر المسار الخدمي.
- سيناريو الإزاحة التوافقية
يأتي هذا الخيار بنسبة أقل من الأول، ويتمثل في اتفاق قوى الإطار التنسيقي على استبدال السوداني بشخصية أقل طموحًا سياسيًا، سواء كانت أمنية أو تقنية من الصف الثاني، بما يضمن توزيع النفوذ والمكاسب بين الأحزاب دون هيمنة شخصية واحدة.
- سيناريو المفاجأة الصدرية
يبقى هذا الاحتمال الأضعف لكنه يظل حاضرًا، ويتمثل في عودة التيار الصدري إلى الشارع في لحظة حاسمة، ما قد يربك المشهد ويفرض اختيار مرشح يحظى بقبول مقتدى الصدر، ويعيد أسماء جديدة أو مجمدة سابقًا إلى الواجهة.
في المحصلة، لن يكون اختيار رئيس وزراء العراق لعام 2026 مجرد إجراء دستوري أو استحقاق انتخابي تقليدي، بل يمثل تسوية تاريخية بين جيل يسعى لبناء دولة مؤسسات حديثة، وآخر يتمسك بمكتسبات النظام التوافقي، وسيظل استقرار العراق مرهونًا بقدرة رئيس الحكومة المقبلة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الخارج وحاجات الداخل، مع الشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية تتجاوز منطق المشاريع الخدمية الآنية نحو بناء اقتصاد مستدام ودولة قادرة على الصمود.





