جولة جديدة من المباحثات السورية- الإسرائيلية في باريس

ملخص :
أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، نقلًا عن مصدر حكومي، أمس الاثنين 5 كانون الثاني، بأن المباحثات الجارية مع الجانب الإسرائيلي في باريس تتركز بصورة أساسية على إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974، وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت قائمة قبل خطوط الثامن من كانون الأول 2024.
وأوضح المصدر أن هذه المفاوضات تأتي في سياق مساعٍ لإعادة ضبط الوضع الأمني في المنطقة، بما ينسجم مع المرجعيات الدولية والاتفاقيات السابقة ذات الصلة.
الوفد السوري ودور الوساطة الأمريكية
بحسب المصدر الحكومي، يترأس وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، الوفد المفاوض، بمشاركة رئيس إدارة المخابرات العامة، حسين السلامة، وتُجرى هذه المباحثات بتنسيق مباشر ووساطة من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تلعب دورًا محوريًا في جمع الطرفين ودفعهما نحو استئناف الحوار.
وأكد المصدر أن استئناف المفاوضات يمثل تأكيدًا على التزام سوريا الثابت باستعادة حقوقها الوطنية غير القابلة للتفاوض، في إشارة إلى الموقف السوري الرسمي من القضايا السيادية والأمنية المطروحة على طاولة البحث.
رؤية إسرائيلية: استقرار أمني بلا انفراجة سياسية
في المقابل، نقلت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مصادر إسرائيلية قولها إن استئناف المحادثات مع دمشق يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الاستقرار الأمني، وليس إلى إحداث اختراق أو تقارب دبلوماسي بين الطرفين.
وأوضحت الصحيفة أن المفاوضات ستركز على الملفات الأمنية وترتيبات استقرار الحدود، لافتة إلى أن السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، سيترأس الوفد الإسرائيلي، ويضم الوفد أيضًا السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي، اللواء رومان جوفمان، إلى جانب عدد من المسؤولين رفيعي المستوى في المؤسسة الأمنية.
تنسيق وثيق مع واشنطن
ونقلت "معاريف" عن مصادر وصفتها بالمطلعة أن تشكيل الفريق الإسرائيلي بهذه الصيغة يهدف إلى إبقاء المحادثات ضمن إطار "مهني وأمني"، مع ضمان تنسيق وثيق مع الإدارة الأمريكية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الهدف الأساسي من هذه المحادثات هو مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل، والعمل على خفض المخاطر وتعزيز الاستقرار، دون السعي في الوقت الحالي إلى تحقيق تطبيع دبلوماسي أو تحولات سياسية كبرى.
اجتماع باريس في الإعلام الأمريكي
من جهته، ذكر موقع "أكسيوس" الأمريكي، يوم الأحد 4 كانون الثاني، أن مسؤولين سوريين وإسرائيليين رفيعي المستوى سيعقدون اجتماعًا في العاصمة الفرنسية باريس، يوم الاثنين 5 كانون ثاني، لبحث استئناف المفاوضات المتعلقة بالاتفاق الأمني بين الجانبين.
وأوضح الموقع، نقلًا عن مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع، أن الاجتماع يأتي في إطار وساطة وضغوط تمارسها الإدارة الأمريكية، بهدف التوصل إلى تفاهمات من شأنها المساهمة في استقرار الوضع الأمني على الحدود السورية-الإسرائيلية.
خطوة أولى أم تمهيد للتطبيع؟
وأشار "أكسيوس" إلى أن اجتماع باريس قد يشكل خطوة أولى على طريق تطور سياسي أوسع، وربما يفتح الباب أمام تطبيع دبلوماسي محتمل بين الطرفين في المستقبل، وإن كان ذلك لا يزال رهنًا بتطورات لاحقة ونتائج المباحثات الحالية.
وفي السياق ذاته، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، سيقود الوفد السوري، بحضور المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، ما يعكس مستوى الانخراط الأمريكي في هذه الجولة من المحادثات.
تشكيلة الوفد الإسرائيلي
وذكرت التقارير ذاتها أن الوفد الإسرائيلي سيترأسه سفير تل أبيب لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، بدلًا من وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، ويشارك في الوفد أيضًا المستشار العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى جانب مسؤولين أمنيين آخرين.
ويعكس هذا التمثيل، وفق مراقبين، رغبة إسرائيل في إبقاء المباحثات ضمن إطار أمني تقني، بعيدًا عن المسارات السياسية الواسعة.
تصريحات ترامب وتمهيد المناخ السياسي
تأتي هذه التسريبات حول الاجتماع السوري-الإسرائيلي بعد أيام قليلة من تصريحات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أكد فيها أن سوريا وإسرائيل ستتوصلان إلى اتفاق، معربا عن استعداده لبذل أقصى الجهود الممكنة لتحقيق هذا الهدف.
وخلال مؤتمر صحفي عقده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 29 كانون الأول 2025، عبّر ترامب عن ثقته بأن القيادتين السورية والإسرائيلية قادرتان على التوصل إلى اتفاق، وفق ما نقلته وكالة "رويترز"، كما أشار إلى أنه توصل إلى تفاهم مع نتنياهو بشأن الملف السوري، دون الخوض في تفاصيل هذا التفاهم.
الموقف الإسرائيلي الرسمي
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل حريصة على ضمان حدود آمنة وسلمية مع سوريا، موضحا أن مصلحة إسرائيل تكمن في إقامة هذه الحدود السلمية، بحسب تعبيره، في إشارة إلى أولوية الاعتبارات الأمنية في أي مسار تفاوضي مع دمشق.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مفاوضات باريس خطوة محسوبة تهدف إلى احتواء التوتر وتعزيز الاستقرار الأمني، دون أن ترقى حتى الآن إلى مستوى تحول سياسي جذري، وبين تأكيد سوريا على حقوقها السيادية، وتشديد إسرائيل على هواجسها الأمنية، يبقى الدور الأمريكي عاملًا حاسمًا في توجيه مسار هذه المحادثات ونتائجها المحتملة خلال المرحلة المقبلة.





