ما هي "الحرب النفسية" وماذا نعرف عنها؟

ملخص :
تُعد الحرب النفسية من أخطر الحروب التي يُستخدم فيها العنف العقلي، وقد أكد نابليون بونابرت أن حرب العقل أقوى من حروب الأسلحة، ورغم أن استخدامها يعود للعصور القديمة، فإن التطورات الحديثة في وسائل الإعلام والاتصال جعلت تأثيرها أوسع وأعمق، إذ بات بالإمكان الوصول إلى الملايين لتغيير سلوكهم وتوجيه آرائهم، وقد أصبح هذا النوع من الحروب أداة استراتيجية لتعويض الصراع المادي والتحكم النفسي في المجتمعات، ما يجعل موضوعه من أبرز القضايا الراهنة محليًا وعالميًا.
تعريف الحرب النفسية
- هي استخدام أنشطة وأساليب تهدف إلى إحداث الخوف والقلق لدى الأفراد والجماعات المستهدفة دون الإضرار الجسدي بهم.
- أول ظهور رسمي للمصطلح كان على يد الكولونيل الألماني بلاو عام 1930، في كتابه "Propaganda ale wathe"، الذي أسس الحرب النفسية، وقد شاعت العبارة في الحرب العالمية الثانية لدى الحلفاء ودول المحور، لتصبح جزءًا من الاستراتيجية العسكرية، معتمدة على علم النفس.
- تعريف الجيش الأمريكي للحرب النفسية يشير إلى: "استخدام أي وسيلة للتأثير على الروح المعنوية وسلوك الجماعات لأغراض عسكرية".
- تعريف المعجم العسكري بأنها خطة دعائية تهدف إلى التأثير على آراء ومواقف وسلوك الجماعات الأجنبية بغرض تحقيق أهداف الدولة، مع تعديل التعريف لاحقًا ليشمل كل الأوقات وليس فقط فترات الحرب أو الطوارئ.
جذور تاريخية للحرب النفسية
رغم اعتبار البعض الحرب النفسية حديثة، إلا أن جذورها قديمة، فقد استخدم كورش الكبير الحرب النفسية ضد بابل، وفيليب الثاني المقدوني ضد أثينا، وزرك سيس ضد الإغريق.
وفي العصور الوسطى، اعتمد المغول بقيادة جنكيز خان على استراتيجيات الرعب والخداع، مستغلين الفرسان لتضخيم حجم الجيش وبث الخوف بين الأعداء.
أما في التاريخ الحديث، برز مصطلح "الطابور الخامس" خلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939، إذ يشير إلى العملاء السريين الذين يقوضون تضامن الأمة من الداخل، وهو أحد أقدم أساليب الحرب النفسية التنظيمية.
الحرب النفسية في العصر الحديث والحروب العالمية
بدأ استخدام الحرب النفسية في السياسة بشكل واسع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، خاصة مع تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث أصبحت أداة استراتيجية للتحكم في الشعوب وتحقيق أهداف سياسية.
وخلال الحرب العالمية الأولى، تحولت العمليات النفسية من استخدام عرضي إلى علم قائم بذاته، وساهمت بشكل بارز في التأثير على نتائج النزاعات، أما في الحرب العالمية الثانية، فقد توسعت جهود الحرب النفسية عبر الدعاية، والراديو، ووسائل الإعلام، بهدف رفع الروح المعنوية لشعوبها وتحطيم معنويات الخصوم، واستخدام الدعاية السوداء لتضليل الأعداء قبل العمليات الحربية.
أهداف الحرب النفسية
وأكد البروفسور رجدار داكروس، رئيس الحرب النفسية في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، أن أهم أهداف الحرب النفسية تشمل تحطيم القيم، وإرباك النظرة السياسية للشعوب، وزرع الفرقة، وإعادة تشكيل المعتقدات بما يخدم المخطط الاستراتيجي، وتسعى الحرب النفسية لتحقيق مجموعة من الأهداف بحسب الظروف والطرف المستهدف:
- إضعاف إيمان الجماعة المعادية بالدين والمبادئ والقيم، عبر تضخيم الأخطاء والتشهير بالمعتقدات.
- إثارة الفرقة والشقاق بين أفراد الجماعة أو المجتمع، بما يضعف التماسك الداخلي.
- تهويل الضائقة الاقتصادية والاجتماعية لفرض الهيمنة والسيطرة على الدولة المستهدفة.
- توجيه إرادة الشعوب والقيادات بما يخدم مصالح الدولة المهيمنة.
- تعزيز التطرف الديني والسياسي لتشويش القناعات المعتدلة.
- تعميم الإحباط واليأس بين أفراد المجتمع، خاصة فئة الشباب، وتأثير ذلك على طموحاتهم ومهاراتهم.
أدوات الحرب النفسية
- الشائعات: الشائعات وسيلة رئيسية للحرب النفسية، تنقل عبر الأفراد ووسائل الإعلام، وقد تحمل آمالًا أو دمارًا، مستهدفة التأثير على معنويات الجماعات أو الأفراد، وتعمل على إثارة الرعب، تزييف الحقائق، تحطيم الثقة، وإثارة الفوضى.
- الدعاية: الدعاية أداة مركزية لإدارة الحرب النفسية، إذ تنقل المعلومات والأفكار والأكاذيب للتأثير على العدو وتحقيق أهداف محددة، ومع التطور التكنولوجي، أصبح بالإمكان استخدام وسائل الإعلام وشبكات المعلومات لبث الرسائل الموجهة والتأثير في الرأي العام العالمي، مستفيدة من علوم النفس والاجتماع والإعلام.
- غسيل الدماغ: المقصود به الإقناع القسري، ويهدف إلى تدمير الولاءات السابقة وإقناع الأفراد بقبول عقيدة أو ولاء جديد، ظهر استخدامه بعد انتصار الشيوعيين الصينيين عام 1949، والحروب الكورية والفيتنامية، ويُطبق عبر التحكم في البيئة المادية والاجتماعية للفرد.
- المقاطعة الاقتصادية: تشمل الامتناع عن استهلاك منتجات دولة أو شركة معينة، أو قطع العلاقات الاقتصادية للضغط على الطرف المستهدف لتغيير سياساته أو مواقفه، مؤثرة بذلك على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة المستهدفة.
تثبت الحرب النفسية أنها أخطر من الحروب التقليدية، إذ تستهدف العقول والقلوب، وتؤثر على الأفكار والمبادئ والاتجاهات المجتمعية، وتستخدم لتفريق المجتمعات، وتشويه الحقائق، ونشر الخوف، والتحكم في الإرادات، وتظل هذه الأساليب حاضرة في كل الأزمنة، سواء أثناء الحروب أو في الأزمات والصراعات اليومية.





