حروب الجيل الرابع: كيف تنهار الدول من الداخل؟

ملخص :
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة بين الجيوش النظامية أو النزاعات التقليدية بين الدول، بل برز نمط جديد من الصراعات يُعرف بالحرب غير المتماثلة (Asymmetric Warfare)، وهو نمط يعتمد على استخدام جميع الأدوات المتاحة لإضعاف الدولة المستهدفة دون الحاجة إلى تحريك قوات عسكرية على الأرض.
وتشمل هذه الأدوات وسائل الإعلام، والضغط الاقتصادي، والتأثير على الرأي العام، إلى جانب توظيف الأدوات المادية والمعنوية، بل وحتى استغلال مواطني الدولة المستهدفة أنفسهم كجزء من منظومة الضغط والتقويض الداخلي.
جذور حروب الجيل الرابع
يعود مفهوم "حروب الجيل الرابع" إلى الولايات المتحدة، حيث طُرح لأول مرة عام 1989 على يد المفكر العسكري الأمريكي ويليام إس. ليند (William S. Lind)، الذي سعى إلى تفسير التحولات العميقة في طبيعة الصراع المسلح.
الأجيال السابقة للحروب: من التقليدي إلى المركب
لفهم هذا الجيل من الحروب، لا بد من التوقف عند المراحل السابقة التي مر بها تطور الحروب عبر التاريخ.
- حروب الجيل الأول: تتمثل في النزاعات التقليدية بين جيشين نظاميين تابعين لدول متحاربة، حيث تدور المواجهات بشكل مباشر في ساحات قتال محددة، وتعتمد على الاصطفاف العسكري الكلاسيكي.
- حروب الجيل الثاني: وهي الحروب التي تنشأ بين دولة من جهة، وكيانات غير دولية من جهة أخرى، مثل الجماعات المسلحة أو التنظيمات الإرهابية، وغالبًا ما تتخذ شكل حروب العصابات، كما شهدتها دول أمريكا اللاتينية خلال فترات متعددة.
- حروب الجيل الثالث: تُعرف بالحروب الوقائية أو الاستباقية، وتمتاز بعناصر السرعة والمفاجأة والمرونة العملياتية، ويشير ويليام ليند إلى أن الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية كان من أوائل من طوّر هذا النمط.
حروب الجيل الرابع: صراع بلا جبهات
برز الجيل الرابع من الحروب بوضوح بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، عندما واجهت الولايات المتحدة تنظيمًا إرهابيًا عابرًا للحدود، لا يمتلك جيشًا تقليديًا أو موقعًا جغرافيًا واضحًا يمكن استهدافه، ويتكون هذا النوع من الخصوم من خلايا منتشرة في عدة دول، تمتلك خبرات تنظيمية وإمكانات عالية لتنفيذ عمليات معقدة، ما أدى إلى ترسيخ مفهوم الحرب غير المتماثلة.
تعريفات متعددة
قدم عدد من الباحثين والخبراء العسكريين تعريفات متباينة لحروب الجيل الرابع:
- أوضح البروفيسور ماكس ج. مانوارينغ (Max G. Manwaring)، الباحث في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، خلال ندوة عقدت في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عام 2012، أن الحرب في جوهرها هي "الإكراه"، سواء كان قاتلًا أو غير قاتل، ويتمثل هذا الجيل الجديد في استخدام جميع الوسائل الممكنة لإنتاج دولة ضعيفة ومنهكة تستجيب للنفوذ الخارجي، مضيفا أن تنفيذ ذلك بشكل تدريجي وبطيء، وباستخدام مواطني الدولة المستهدفة أنفسهم، قد يؤدي إلى انهيار الخصم من الداخل دون أن يدرك ذلك.
- وصف ويليام ليند الحروب القائمة على مبدأ اللامركزية بأنها تمثل جوهر حروب الجيل الرابع، حيث تتراجع مركزية القيادة والسيطرة لصالح شبكات مرنة ومتعددة الفاعلين.
أدوات حروب الجيل الرابع
تعتمد حروب الجيل الرابع على حزمة واسعة من الوسائل المتداخلة، من أبرزها:
- توظيف الإرهاب والتطرف عبر المنظمات والجماعات والخلايا المسلحة، واستخدام تكتيكات حرب العصابات لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.
- الاعتماد المكثف على الحرب النفسية والذهنية، من خلال الإعلام التقليدي والرقمي، وشبكات الإنترنت، والتلاعب النفسي، وتوجيه الرأي العام.
- ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية، إلى جانب التهديدات العسكرية غير المباشرة.
- الاستفادة من التطور المتسارع في تكنولوجيا المعلومات، والهندسة الجينية، والحواسيب المتقدمة، وأنظمة الرادار الحديثة، وتشكيل الجيوش السيبرانية، وهي أدوات لم تكن متاحة في الحروب التقليدية السابقة.
الهدف النهائي: دولة منهكة قابلة للسيطرة
تتقاطع جميع هذه الأدوات عند هدف مركزي يتمثل في إخضاع الدولة المستهدفة، عبر تحويلها إلى كيان فاشل، وضعيف، ومستنزف، بما يجعلها أكثر قابلية للاستجابة للضغوط الخارجية والتدخلات السياسية والاقتصادية، ويهيئها لتكون ساحة نفوذ مفتوحة للقوى المؤثرة.
إلى أين تتجه حروب الجيل الرابع؟
يثير تصاعد هذا النمط من الحروب تساؤلات جوهرية حول مستقبله وآفاق تطوره، وفي هذا السياق، يرى نائب رئيس مركز أبحاث "نيو أمريكا،" وأستاذ ممارسة في جامعة ولاية أريزون ، بيتر بيرغن (Peter Bergen) أن الولايات المتحدة، كما فقدت احتكارها للسلاح النووي بعد الحرب العالمية الثانية، فقدت اليوم احتكارها لحرب الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية المتقدمة، مشيرا إلى أن هذه الأشكال من الصراع تجري خارج الأطر التقليدية للحروب، ولم تُنظم بشكل كافٍ ضمن اتفاقيات جنيف، التي لم تتوقع استخدام الطائرات بدون طيار في تنفيذ عمليات اغتيال داخل دول لم يُعلن الحرب عليها.
تحذيرات من فقدان القدرة على التكيف
وحذرت روزا بروكس (Rosa Brooks)، أستاذة القانون الأميركية، من خطورة الافتراض بأن التغيرات في طبيعة الحرب ستكون تدريجية ويمكن التنبؤ بها، مؤكدة أن هذا التصور خاطئ، ومشيرة إلى أن الفشل في بناء استراتيجيات مرنة تستوعب عدم اليقين والتغير المتسارع قد يؤدي إلى استمرار تراجع الولايات المتحدة كقوة عالمية فاعلة.





