عام الانقلاب الجيوسياسي: رصد وتحليل سياسات إدارة ترامب بعد عام من توليه الرئاسة

ملخص :
تاريخ 20 يناير 2025 لم يكن مجرد عودة لرئيس سابق، بل كان تدشيناً لنموذج حكم "راديكالي" أطلق عليه المحللون "ترامب 2.0"، تميز هذا العام بانهيار العقائد السياسية التقليدية واستبدالها بـ "براغماتية القوة"، و"سياسة الصفقات الكبرى"، حيث تم تفكيك تحالفات عمرها عقود مقابل مكاسب اقتصادية وتوسعية مباشرة.
داخليا.. "ثورة المؤسسات والسيادة التنفيذية"
شهدت الساحة الداخلية الأمريكية زلزالاً إدارياً تمثل في إصدار أكثر من 250 أمراً تنفيذياً خلال العام الأول، وهو رقم قياسي يعكس رغبة ترامب في تجاوز "عقبات" الكونغرس والبيروقراطية.
- تفكيك "الدولة العميقة": عبر تفعيل "الجدول F"، تم تحويل آلاف الوظائف الفيدرالية إلى تعيينات سياسية، مما أدى إلى "تطهير" المؤسسات الأمنية والقضائية من المعارضين، سياسياً، يهدف هذا لإحكام قبضة البيت الأبيض على أدوات إنفاذ القانون لضمان تنفيذ أجندة "أمريكا أولاً" دون معارضة داخلية.
- عسكرة الحدود: إعلان "حالة الطوارئ الوطنية" في فبراير 2025 مكن الإدارة من استخدام ميزانية البنتاغون لترحيل ملايين المهاجرين، مما أدى لتوتر مع الولايات الديمقراطية (مثل كاليفورنيا) التي رفضت التعاون، مشكلةً ملامح "أزمة دستورية" حول حدود السلطة الفيدرالية.
- القومية الاقتصادية: فرض رسوم جمركية أساسية بنسبة 10% على كافة الواردات، و20% على الاتحاد الأوروبي، رفع تكاليف المعيشة بمقدار 1.500 دولار لكل أسرة أمريكية في 2026، لكنه وفر سيولة فدرالية ضخمة استخدمت لتمويل تخفيضات ضريبية للشركات الكبرى.
أمريكا اللاتينية والتدخل المباشر
انتقلت السياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي من "التدخل الناعم" إلى "السيطرة الصلبة"، وتمثلت في:
- غزو فنزويلا (يناير 2026): العملية العسكرية التي أدت لاعتقال مادورو بتهم "الإرهاب والمخدرات" تمثل نهاية حقبة "العقوبات الدبلوماسية"، إن الهدف لم يكن نظام الحكم فحسب، بل تأمين أكبر احتياطي نفطي في العالم لموازنة أسعار الطاقة العالمية بعيداً عن أوبك.
- تجريم الكارتيلات: تصنيف عصابات المخدرات كـ "منظمات إرهابية أجنبية" سمح لواشنطن بتنفيذ ضربات جوية داخل المكسيك، مما وضع العلاقات مع مكسيكو سيتي في أسوأ مراحلها التاريخية، محولاً الجار الجنوبي من شريك إلى "منطقة عمليات أمنية".
أوروبا: "انكسار المظلة الأطلسية"
اتسمت العلاقة مع أوروبا بـ "الندية العدائية"، فترامب لم يعد يرى في أوروبا حليفاً أيديولوجياً، بل منافساً تجارياً "يستغل" الحماية الأمريكية، واتبع سياسات منها:
- فاتورة الحماية: الضغط لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% وربط الحماية بالولاء التجاري أدى لضعف تماسك الناتو، ما دفع أوروبا للبحث عن "استقلال استراتيجي"، لكن الرسوم الجمركية الأمريكية بنسبة 20% شلت الاقتصاد الأوروبي، مما أجبر دولاً مثل ألمانيا على تقديم تنازلات في ملف شركات التكنولوجيا الأمريكية.
- التحالف مع اليمين: دعم ترامب الصريح للحركات اليمينية القومية في أوروبا ساهم في تآكل وحدة الاتحاد الأوروبي من الداخل، حيث أصبحت واشنطن تفضل الصفقات الثنائية (مع المجر أو إيطاليا) على التعامل مع المفوضية الأوروبية في بروكسل.
الحرب الروسية الأوكرانية: "السلام المفروض"
انتقل ترامب من "دعم أوكرانيا" إلى "إنهاء الحرب" وفق شروط واقعية تعكس موازين القوى على الأرض:
- قمة ألاسكا (2025): لقاء ترامب وبوتين أفرز خريطة طريق لتجميد النزاع، ويظهر أن ترامب استخدم "الابتزاز المزدوج": هدد كييف بوقف السلاح، وهدد موسكو بإغراق السوق بالنفط الرخيص.
- النتائج الاستراتيجية: اعتبر المحللون القمة انتصاراً لموسكو وضربة لمصداقية الضمانات الأمنية الغربية.
الصين: "الاحتواء الاقتصادي الذكي"
بدلاً من الحرب الشاملة، انتهج ترامب سياسة "الفصل الانتقائي":
- ترتيب كوالالمبور (نوفمبر 2025): نجح ترامب في الحصول على التزامات صينية بشراء منتجات زراعية بقيمة 200 مليار دولار مقابل تخفيف جزئي للرسوم، وسياسياً، استطاع ترامب تحييد الصين في ملفات معينة (مثل فنزويلا وإيران) مقابل صفقات تجارية.
- الحصار التكنولوجي: استمر منع تصدير الرقائق المتطورة، مما يعكس استراتيجية ترامب بجعل الصين "شريكاً تجارياً ضعيفاً تكنولوجياً"، لمنعها من التحول إلى قوة عسكرية مهيمنة في المحيط الهادئ.
غرينلاند وكندا: "الطموحات الإمبراطورية في القطب الشمالي"
تعد قضيتي غرينلاند وكندا الأكثر جرأة في سياسة ترامب التوسعية، حيث انتقلت فكرة "شراء غرينلاند" من مجرد أمنية إلى "أولوية أمن قومي":
- أزمة غرينلاند: في ديسمبر 2025، صعد ترامب ضغوطه على الدنمارك، مطالبا بـ غرينلاند، فهو يسعى لتحويل القطب الشمالي إلى "بحيرة أمريكية" لمواجهة الوجود الروسي الصيني، معتبراً أن السيطرة على موارد غرينلاند المعدنية هي المفتاح للهيمنة على صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.
- الضغط على كندا: تصريحات ترامب حول "ضم كندا" أو اعتبارها "الولاية 51" في حال عدم تأمين حدودها تعكس رغبة في فرض تكامل قسري للموارد الكندية (النفط والماء) ضمن الاقتصاد الأمريكي، ويستخدم ترامب هذه التهديدات لإجبار أوتاوا على اتباع سياسات واشنطن الخارجية بالكامل، خاصة في ملف الصين.
غزة والشرق الأوسط: "من الحرب إلى الاستثمار"
تعاملت الإدارة مع غزة كـ "مشروع إعادة إعمار تحت السيطرة"، وليس قضية تقرير مصير:
- خطة الـ 20 نقطة: الضغط لوقف إطلاق النار في 2025 لم يكن لأهداف إنسانية بقدر ما هو لفتح الباب أمام "خطة كوشنر" لتحويل ساحل غزة إلى منطقة سياحية واقتصادية دولية، وهنا يظهر أن ترامب سعى "لتصفية" القضية الفلسطينية عبر الإغراء المالي والدعم المطلق لإسرائيل، مع تحييد السلطة الفلسطينية لصالح "لجنة تكنوقراط" غير مسيسة.
- ضرب إيران (يونيو 2025): الضربة العسكرية لمنشأة "فوردو" النووية كانت رسالة حسم تهدف لإجبار طهران على قبول على قبول التهدئة أو الإطاحة بنظامها، مما أدى لإعادة رسم موازين القوى في الإقليم لصالح تحالف عربي-إسرائيلي تقوده واشنطن.
سوريا: "إغلاق الملف وتطبيع العلاقات"
انتهج ترامب سياسة "الخروج الآمن" من سوريا عبر الاعتراف بالواقع السياسي، وتمثل من خلال:
- إلغاء قانون قيصر (يونيو 2025): رفع العقوبات عن دمشق مثل تحولاً دراماتيكياً؛ حيث اعتبرت الإدارة أن استقرار النظام السوري هو الضمان الوحيد لمنع عودة "داعش"، وتقليص النفوذ الإيراني عبر دمج سوريا في المنظومة العربية.
- الصفقة الكبرى: الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري تم مقابل ضمانات روسية-سورية بأمن الحدود الإسرائيلية، مما يعكس رغبة ترامب في التخلص من الالتزامات العسكرية الميدانية التي لا تحقق عائداً مباشراً.
بحلول 20 يناير 2026، يبدو أن ترامب قد نجح في إعادة صياغة العالم وفق صورة "الشركة الكبرى" التي تديرها واشنطن، وحققت الولايات المتحدة مكاسب هائلة في مجال الطاقة والموارد، لكنها فقدت "القيادة الأخلاقية"، وأثارت قلقاً وجودياً لدى حلفائها التقليديين، العالم اليوم أكثر "ترامبية"، حيث القوة العسكرية والاقتصادية هي اللغة الوحيدة المعترف بها.





