ماذا نعرف عن مبدأ مونرو؟

ملخص :
ظهر مبدأ مونرو في سياق مخاوف الولايات المتحدة من إعادة القوى الأوروبية استغلال مستعمراتها السابقة في أميركا اللاتينية بعد استقلالها عن إسبانيا والبرتغال عام 1823، وقد نالت هذه الجمهوريات الاعتراف الدبلوماسي من واشنطن، لكن خطر العودة الاستعمارية بقي قائمًا، خاصة بعد تعافي التاج الإسباني وانضمامه إلى "التحالف المقدس" مع روسيا، وبروسيا، والنمسا.
ومع تصاعد التوترات بسبب مطالبة روسيا بأراضي ولاية أوريغون واهتمام الولايات المتحدة بالسيطرة على الساحل الهادي، أصبح من الضروري لواشنطن حماية مصالحها الاستراتيجية، وفي هذا الإطار قدمت بريطانيا عرضًا لإصدار إعلان مشترك ضد تدخل التحالف المقدس، إلا أن وزير الخارجية جون كوينسي آدامز اقترح على الرئيس مونرو إصدار إعلان منفرد يظهر الولايات المتحدة كقوة إقليمية مستقلة.
مضمون مبدأ مونرو: قواعد واضحة للنصف الغربي
صاغ مونرو بيانًا رسميًا ألقاه أمام الكونغرس في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1823، تضمن رفض أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي، مع الالتزام بعدم التدخل الأميركي في الشؤون الأوروبية، وحدّد المبدأ أربع ركائز أساسية:
- لن تتدخل الولايات المتحدة في شؤون القوى الأوروبية أو نزاعاتها الداخلية.
- تعترف الولايات المتحدة بالمستعمرات والتبعيات الأوروبية القائمة في نصف الكرة الغربي ولن تتدخل فيها.
- يُعدّ نصف الكرة الغربي منطقة مغلقة أمام أي مشروع استعماري جديد.
- ستعتبر الولايات المتحدة أي محاولة أوروبية لقمع أو إخضاع دولة في نصف الكرة الغربي عملا عدائيا موجّها ضدها.
وعلى الرغم من رمزيته في البداية لغياب القوة العسكرية اللازمة لتنفيذه، شكّل الإعلان نقطة انطلاق للنهج الأميركي في أميركا اللاتينية.
أول ردود الفعل المحلية والدولية
حظي الإعلان بتأييد شعبي ودبلوماسي واسع في أميركا اللاتينية، إذ اعتبر ضمانة لاستقلالها الهش، ووصفه فرانسيسكو دي باولا سانتاندير بأنه "ركيزة لحماية كولومبيا"، بينما رأى القائد الفنزويلي، سيمون بوليفار، أن الولايات المتحدة وبريطانيا تشكلان خط الدفاع عن المنطقة.
توسع المبدأ: من الدفاع إلى الهيمنة
استعاد مبدأ مونرو زخمه في عهد الرئيس جيمس بولك (1845-1848) للتحذير من أي محاولات أوروبية في أوريغون وكاليفورنيا ويوكاتان، ومع نهاية الحرب الأهلية الأميركية، بدأت واشنطن فرض إرادتها عسكريًا، كما حدث على نهر ريو غراندي ضد فرنسا عام 1867، ما أتاح للولايات المتحدة تطبيق المبدأ عمليًا.
ومع مطلع القرن العشرين، أضاف الرئيس ثيودور روزفلت ما عرف بـ "الملحق الروزفلتي"، الذي منح واشنطن الحق في التدخل في دول أميركا اللاتينية عند وقوع مخالفات مستمرة، وتحوّل المبدأ من سياسة دفاعية إلى أداة لفرض الهيمنة الأميركية، خاصة بعد مواجهة القوى الأوروبية في فنزويلا عام 1902.
تدخلات مباشرة وتبرير القوة العسكرية
استُخدم المبدأ لتبرير إرسال قوات أميركية إلى مناطق متعددة، منها سانتو دومينغو (1904)، ونيكاراغوا (1911)، وهاييتي (1915)، بزعم منع القوى الأوروبية من التدخل، كما دعمت الولايات المتحدة الرئيس المكسيكي بينيتو خواريز عام 1865 ضد الإمبراطور ماكسيميليان، ما أكسب المبدأ مصداقية في دعم الحكومات الوطنية ضد التدخل الأجنبي.
من سياسة القوة إلى "الجار الصالح"
مع ثلاثينيات القرن العشرين، اتجهت السياسة الأميركية نحو التعاون بدل القوة العسكرية، وتبنى الرئيس فرانكلين روزفلت سياسة "الجار الصالح"، وأكد احترام مبدأ عدم التدخل في مؤتمر مونتيفيديو عام 1933، كما ساهم تأسيس "ميثاق ريو" عام 1947، ومنظمة الدول الأميركية عام 1948 في تحويل العقيدة إلى إطار متعدد الأطراف، مما قلل من مركزية التدخل الأحادي.
ذروة المبدأ: الحرب الباردة وأزمة كوبا
برز مبدأ مونرو مجددًا خلال الحرب الباردة، خاصة في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على الجزيرة لمنع وصول الأسلحة النووية السوفياتية، في مواجهة تهدد العالم بحرب نووية، ورغم تراجع حضور العقيدة الرسمي لاحقًا، ظلّت مبدأً مرجعيًا في التحليل السياسي للتدخلات الأميركية في نصف الكرة الغربي.
نهاية العقيدة وتحولها في القرن الحادي والعشرين
مع انتهاء الحرب الباردة وصعود التعددية الدولية، أعلن كثير من المؤرخين نهاية المبدأ سياسيًا، ورغم ذلك، ظل يُستحضر في القرن الحادي والعشرين كإطار يحدد السياسة الخارجية الأميركية، خاصة من قبل اليمين السياسي، الذي يرى فيه ضمانة لمواجهة أي نفوذ خارجي على "الحدود الشمالية".
الولادة من جديد
يرى العديد من المراقبين والخبراء أن مبدأ وعقيدة مونرو عادت من جديد، وتمثل ذلك بتدخل الرئيس ترامب في ولايته الثانية، بدول الكاريبي، إذا قام مطلع العام 2026، باختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، والسيطرة على نفط فنزويلا، بالإضافة إلى التهديدات التي تصدر عنه تجاه كوبا، ودول أخرى مثل: المكسيك وكولومبيا.





