"الحكومة الإسرائيلية" تصادق على قرار تسجيل وتسوية أراضي الضفة

ملخص :
في تطور لافت، صادقت الحكومة الإسرائيلية، أمس الأحد، على مشروع قرار يجيز بدء عملية تسوية وتسجيل أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة باعتبارها "أراضي دولة"، في إجراء يُعد الأول من نوعه منذ احتلال الضفة عام 1967.
ووصف وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الخطوة بأنها "ثورة استيطانية" تهدف إلى فرض السيطرة على أراضي الضفة الغربية، في حين رأت السلطة الفلسطينية وحركة حماس أنها تصعيد خطِر يرقى إلى مستوى "السرقة العلنية" وفرض أمر واقع جديد على الأرض.
ويفتح القرار المجال أمام تحويل ملكية مساحات واسعة رسميا إلى السلطات الإسرائيلية، بما يتيح تخصيصها لصالح المستوطنين أو تمليكها للجيش الإسرائيلي وسائر المؤسسات والأجهزة الحكومية، وهو ما لم يكن متاحا خلال العقود الماضية بسبب غياب مسار تسجيل رسمي شامل للأراضي في الضفة.
ماذا يتضمن القرار الجديد؟
ينص القرار على جملة من الإجراءات الجوهرية، أبرزها:
- تفويض "سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية" في وزارة العدل الإسرائيلية للعمل داخل الضفة الغربية المحتلة.
- تثبيت ملكية مساحات شاسعة باسم "دولة إسرائيل" ضمن سجلات رسمية (الطابو الإسرائيلي).
- رصد ميزانيات كبيرة وتوفير كوادر بشرية لإنهاء النزاعات القانونية المتعلقة بملكية الأراضي، بما يخدم خطط التوسع الاستيطاني.
- يمثل ذلك انتقالا من واقع إداري مؤقت إلى مسار تسجيل قانوني دائم يكرّس ملكية الأراضي لصالح الدولة الإسرائيلية، وفق الصيغة التي أقرتها الحكومة.
حزمة تشريعات لتغيير الواقع القانوني
يأتي القرار ضمن سلسلة إجراءات أقرها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) في 8 فبراير/ شباط الجاري، وتهدف، بحسب مراقبين، إلى إعادة صياغة الواقع القانوني في الضفة الغربية.
ومن أبرز هذه الإجراءات:
- إنهاء عوائق الاستيطان: كان غياب التسجيل الرسمي يشكّل عائقا أمام صفقات بيع الأراضي وتطوير البنية التحتية للمستوطنات، نتيجة الطعون والملاحقات القضائية أمام المحاكم، يسعى القرار الجديد إلى إزالة هذه القيود وتوفير "يقين قانوني" يمكّن من تسريع مشاريع البناء.
- تعديل قوانين الملكية: تم إلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع الأجانب من شراء الأراضي مباشرة، ما أتاح للمستوطنين شراء الأراضي دون الحاجة إلى شركات وسيطة، الأمر الذي يسهل عمليات نقل الملكية بشكل مباشر.
القرار يتعارض مع القانون الدولي وقرار 2334
وفقا للقانون الدولي، لا تملك "القوة القائمة بالاحتلال" صلاحية تغيير القوانين السارية في الأراضي المحتلة أو نقل ملكية الأراضي العامة لصالح مواطنيها، استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016، الذي أكد عدم شرعية إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، واعتبرها انتهاكا صارخا للقانون الدولي وعقبة رئيسية أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام.
تكريس "السيادة القانونية" وتجاوز الإدارة العسكرية
من أبرز أبعاد القرار إسناد مهمة التسجيل إلى وزارة العدل الإسرائيلية بدلا من "الإدارة المدنية" التابعة للجيش، وهو ما يُنظر إليه باعتباره خطوة نحو التعامل مع الضفة الغربية كجزء سيادي من إسرائيل، وليس أرضا محتلة تخضع لإدارة عسكرية مؤقتة.
توسيع الصلاحيات في مناطق (أ) و(ب)
لم يقتصر القرار على مناطق (ج)، بل تضمن توسيع صلاحيات الرقابة والهدم الإسرائيلية لتشمل مناطق (أ) و(ب)، الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية، بذريعة حماية الآثار والمياه والبيئة، كما شمل القرار سحب صلاحيات الترخيص والبناء من بلدية الخليل في منطقة الحرم الإبراهيمي والمستوطنة المحيطة به، ما يعني عمليا تقويض "بروتوكول الخليل" الموقع عام 1997، والذي قسّم المدينة إلى منطقتين:
- "الخليل 1" تحت الإدارة الفلسطينية.
- "الخليل 2" تحت السيطرة الإسرائيلية وتشمل أجزاء واسعة من جنوب وشرق المدينة.
تسهيل الاستيلاء على الأراضي
فتح سجلات الأراضي للاطلاع العام يتيح للجمعيات الاستيطانية رصد الثغرات القانونية في ملكية الأراضي الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بأملاك الغائبين، ما يسهل الاستحواذ عليها عبر صفقات مباشرة أو بوسائل قانونية ملتوية، بحسب تحذيرات فلسطينية.
أبعاد إدارية وسياسية وقانونية
يرى مراقبون أن القرار يحمل ثلاثة أبعاد رئيسية:
- بعد إداري: يستهدف إعادة تنظيم الوجود الاستيطاني عبر إنشاء إدارات محلية وربط التجمعات ببعضها، لتحويلها من نقاط متفرقة إلى تكتلات مترابطة مدعومة بالبنية التحتية والميزانيات.
- بعد سياسي: يهدف إلى تقويض أي مظلة سياسية فلسطينية في الضفة الغربية، مقابل تعزيز كيان استيطاني يهودي يشكل نواة لما يصفه منتقدون بـ "دولة المستوطنين".
- بعد قانوني: يتمثل في إلغاء أو تهميش القوانين العثمانية والأردنية التي شكلت أساسا لإثبات الملكية الفلسطينية لعقود طويلة، واستبدالها بمنظومة تسجيل إسرائيلية جديدة.
تداعيات متوقعة على الأرض
من شأن القرار إنهاء ما يُعرف بـ "المنع القانوني" الذي كان يحول دون تملّك المستوطنين للأراضي في الضفة الغربية، ما يرجح جملة من التطورات خلال المرحلة المقبلة:
- تسارع وتيرة البناء الاستيطاني، بعد أن تصبح الأراضي مسجلة رسميا ومتاحة للتسويق والتطوير.
- احتكاكات ميدانية في مناطق (أ) و(ب) مع دخول طواقم الرقابة الإسرائيلية لتنفيذ أوامر الهدم والإنفاذ داخل المدن الفلسطينية.
- تآكل فرص حل الدولتين، نتيجة إغلاق الفواصل الجغرافية التي يمكن أن تشكل أساسا لدولة فلسطينية متصلة، وهو ما يتماشى مع توجهات اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية.
الموقف الفلسطيني
السلطة الفلسطينية: اعتبرت القرار تصعيدا خطيرا وضمّا فعليا للضفة الغربية، وانتهاكا للقرار 2334، ومحاولة لفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها، مؤكدة أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، تبقى أرضا فلسطينية محتلة وفقا للقانون الدولي.
حركة حماس: وصفت القرار بأنه سرقة علنية واستمرار لسياسات التوسع الاستيطاني، داعية إلى مواجهة هذه المخططات، ومؤكدة أن تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه سيبقى، بحسب تعبيرها، "السد المنيع" أمام سياسات الاحتلال.
وبينما تصف الحكومة الإسرائيلية القرار بأنه تنظيم إداري يعزز "السيادة والقانون"، يرى الفلسطينيون فيه تحولا نوعيا في مسار الصراع، ينقل الضفة الغربية إلى مرحلة جديدة من إعادة الهندسة القانونية والجغرافية، بما يرسّخ واقعا استيطانيا طويل الأمد.





