هل تُقدم طهران تنازلات في مفاوضاتها مع واشنطن؟

ملخص :
جذور البرنامج النووي الإيراني: من الشاه إلى الثورة
يُعتبر البرنامج النووي الإيراني رمزاً وطنياً للقوة والتقدم العلمي منذ عهد الشاه، الذي أسسه في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وخلال الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات، دفعت الضربات الصاروخية تحت قيادة الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، إيران إلى استنتاج ضرورة امتلاك قدرات استراتيجية واسعة، تشمل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، فضلاً عن صواريخ بعيدة المدى، وقد ارتبطت هذه الطموحات أيضاً بالتوسع الإقليمي الإيراني، انطلاقاً من مبدأ الخميني في تصدير الثورة إلى دول الشرق الأوسط كافة.
العقوبات والاتفاق النووي: سنوات من الصراع
قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015، فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، مستهدفة القطاع النفطي وإجمالي الاقتصاد الوطني، الأمر الذي أسهم في تراجع الأوضاع المعيشية وأدى إلى انتخاب حسن روحاني، الرئيس المعتدل نسبياً، على أمل تخفيف الضغط الدولي، ورغم التزام إيران جزئياً بالاتفاق، تبين لاحقاً أن البرنامج النووي تطور بشكل سري تحت إشراف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما دفع الرئيس الأمريكي ترامب -خلال ولايته الأولى- إلى الانسحاب من الاتفاق في 2018، ثم توجيه ضربات مباشرة لمحطتي فوردو، ونطنز في يونيو/ حزيران 2025.
الأزمة الداخلية والاحتجاجات الشعبية
ورغم أن شهدت إيران الشهر الماضي موجة احتجاجات واسعة نتيجة انهيار الاقتصاد، ونقص الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء، فرقت القيادة الإيرانية بين الاحتجاجات المبررة، وبين ما وصفته بـ "العناصر الإرهابية"، وذلك وفق توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي، بهدف منع انزلاق الوضع نحو صراع دموي شامل، وساهمت هذه التوترات الداخلية في تعزيز التوتر مع الولايات المتحدة، التي قامت بحشد قوات غير مسبوق في الخليج العربي على حافة مواجهة عسكرية.
سياسة الولايات المتحدة: الغموض الاستراتيجي
يتبع الرئيس الأمريكي ترامب سياسة مزدوجة: من جهة يواصل إطلاق التهديدات ويركز قوته العسكرية في المنطقة، ومن جهة أخرى يسعى للوصول إلى اتفاق نووي أفضل بمساعدة الوسيط التركي رجب طيب أردوغان، مع فرض شروط جديدة على إيران، تشمل التنازل عن برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات الإقليمية التابعة لها، ويشير تصريح وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى أن التركيز يجب أن يظل على البرنامج النووي، دون تعقيد المفاوضات بقضايا غير ذات صلة.
استعداد إيران لتقديم تنازلات استراتيجية
تشير التحليلات إلى أن إيران مهيأة لتقديم تنازلات واسعة النطاق في الملف النووي، لأسباب عدة:
- تعزيز مكانتها الدولية: أي تنازل محدد سيكسبها نقاطاً كبيرة في الرأي العام العالمي والعربي.
- الاحتفاظ بالقدرات المستقبلية: البنية التحتية والمعرفة النووية المكتسبة ستظل متاحة لإيران لاحقاً.
- إدارة اليورانيوم: حتى مع إيداعه لدى روسيا، يمكن استعادته متى سمحت الظروف.
- مهارات الإخفاء النووي: تمكنها من ممارسة "حياة نووية مزدوجة" تحت الرقابة الدولية.
- تفوق الصواريخ على النووي: تعتبر القدرات الباليستية الحالية أكثر فاعلية في مواجهة الكيان الصهيوني مقارنة بالقدرات النووية المستقبلية.
تحديات مستقبلية: التفاوض والضغوط الدولية
رغم الاستعدادات الإيرانية للتنازل النووي، تظل المفاوضات معقدة، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج الصاروخي وتمويل الجماعات التابعة، وهي مسائل ترى واشنطن أنها حيوية، لكن إيران تصر على التعامل معها بشكل مستقل بعيداً عن الاتفاق النووي، كما أن الإدارة الأمريكية تواجه تحديات داخلية ودولية في تسويق أي خيار عسكري محتمل، ما يجعل من الحل الدبلوماسي الخيار الأبرز في الوقت الراهن.
يعكس المشهد الإيراني-الأمريكي الحالي مزيجاً من الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، والقدرات الاستراتيجية الإقليمية، وسياسة الغموض الأمريكية، وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات محددة في الملف النووي، مع الحفاظ على قوتها الصاروخية وقدرتها على النفوذ الإقليمي، في حين تحاول واشنطن التوصل إلى اتفاق موسع يحافظ على مصالحها الاستراتيجية ويجنبها صداماً مباشراً مع طهران.





